لم يكن المقطع الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ويظهر فيه المدير العام للدبلوماسية الاقتصادية بوزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، السفير السابق مراد بلحسن، وهو يتردد في تحديد عدد التمثيليات الدبلوماسية التونسية بالخارج، سوى الشرارة التي فجرت النقاش. أما القضية الحقيقية فكانت في مكان آخر.
فالرقم، مهما كانت رمزيته، يمكن لأي مسؤول أن ينساه، لكن ما يصعب تفسيره هو أن يخرج الرأي العام من حوار كامل دون أن يفهم إلى أين تتجه الدبلوماسية الاقتصادية في تونس، وما الذي حققته، وما الذي تخطط لتحقيقه خلال السنوات القادمة.
كان الجميع ينتظر من المسؤول الأول عن هذا الملف، بعد ما يقارب أربعة عقود قضاها في السلك الدبلوماسي، أن يستغل هذا الظهور الإعلامي ليرسم ملامح سياسة أصبحت اليوم من أهم أدوات التنافس بين الدول. فالدبلوماسية الاقتصادية لم تعد شعاراً يردد في الندوات أو عنواناً يضاف إلى الهيكل التنظيمي لوزارة الخارجية، بل أصبحت في أغلب دول العالم جهازاً ينتج الثروة، ويجلب الاستثمار، ويفتح الأسواق، ويخلق فرص العمل.
غير أن الحوار، في نظر كثير من المتابعين، لم يقدم إجابات عن الأسئلة التي تشغل الرأي العام. لم نعرف ما هي الاستراتيجية الوطنية للدبلوماسية الاقتصادية، ولا ما هي أولوياتها، ولا كيف تقاس نتائجها، ولا ما هي الأهداف التي تعمل الدولة على بلوغها. والأهم من ذلك، لم نسمع أرقاماً أو مؤشرات تسمح للمواطن بأن يحكم بنفسه على نجاح هذه السياسة أو تعثرها.
وهنا يطرح سؤال نفسه بإلحاح: ما هي الرسالة التي أراد المسؤول إيصالها من خلال هذا الحوار؟
في عالم الاتصال السياسي، لا يخرج أي مسؤول رفيع إلى وسائل الإعلام من أجل الحديث فقط. لكل ظهور رسالة، ولكل مقابلة أهداف، ولكل سؤال، حتى وإن كان محرجاً، طريقة في التعامل معه. ولذلك كان كثيرون ينتظرون أن يتحول الحوار إلى فرصة لشرح كيف يمكن للدبلوماسية التونسية أن تتحول إلى قاطرة لجذب الاستثمار، وأن تقدم صورة واضحة عن دور السفارات في خدمة الاقتصاد الوطني، وأن تعرض بالأرقام ما تحقق وما هو مبرمج.
هذا لم يحدث، فتحول النقاش من الحديث عن الدبلوماسية الاقتصادية إلى الحديث عن طريقة تقديمها للرأي العام. وربما في ذلك مفارقة لافتة؛ فالمشكلة لم تكن في السؤال الذي طرحته الصحفية، بل في أن الحوار انتهى دون أن يترك لدى المستمع فكرة واضحة عن مضمون هذا الملف الحيوي.
والحال أن الدبلوماسية الاقتصادية أصبحت اليوم أحد أهم معايير قوة الدول. فالصين والولايات المتحدة والإمارات والمغرب وسنغافورة وغيرها لا تنظر إلى سفاراتها باعتبارها مجرد بعثات سياسية، بل تعتبرها مكاتب متقدمة لجذب المستثمرين، وتسويق المنتجات الوطنية، ومتابعة الفرص الاقتصادية، وتأمين مصالح شركاتها في الخارج. في تلك الدول، يقاس نجاح الدبلوماسي بما يحققه من نتائج، لا بعدد اللقاءات البروتوكولية التي يعقدها.
ومن هنا يصبح من المشروع أن يتساءل التونسيون: هل تمتلك تونس اليوم استراتيجية واضحة للدبلوماسية الاقتصادية؟ وهل توجد أهداف كمية محددة؟ وهل تخضع السفارات لتقييم يعتمد على مؤشرات اقتصادية؟ وما هو العائد الحقيقي الذي تحققه الشبكة الدبلوماسية للاقتصاد الوطني؟
هذه هي الأسئلة التي كان ينتظر الرأي العام أن يجد لها إجابات. وهي أسئلة ستبقى مطروحة، ليس بسبب مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما لأن المرحلة التي تعيشها تونس تفرض أكثر من أي وقت مضى دبلوماسية تتحدث بلغة الأرقام والنتائج، لا بلغة العموميات.
السؤال الذي بقي معلقا وينتظر اجابات واضحة هو التالي
هل توجد استراتيجية وطنية معلنة؟
من بين الأسئلة التي برزت بعد الحوار أيضاً: هل تمتلك تونس وثيقة استراتيجية معلنة للدبلوماسية الاقتصادية؟
إذا كانت موجودة، فما هي أهدافها الكمية؟
هل تستهدف مضاعفة الاستثمار الأجنبي خلال خمس سنوات؟
هل تهدف إلى رفع الصادرات نحو أسواق معينة؟
هل هناك أولويات قطاعية أو جغرافية؟
هل توجد مؤشرات تقييم سنوية؟
وهل تنشر نتائجها للرأي العام؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية لأنها تنقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى السياسات العمومية القابلة للمساءلة والتقييم.
ولعل أخطر ما خلفه هذا الحوار أنه قد يدفع البعض إلى إصدار حكم متسرع على الدبلوماسية التونسية برمتها، وهو حكم سيكون مجحفاً. فوزارة الخارجية لم تكن يوماً فقيرة بالكفاءات، بل تضم دبلوماسيين مشهوداً لهم بالكفاءة والاقتدار، بينهم جيل جديد يمتلك من التكوين واللغات والخبرة ما يؤهله لرفع راية تونس في المحافل الدولية. وما تحتاجه هذه الكفاءات ليس شهادة جديدة على قدراتها، بل فرصة حقيقية لإثباتها. فالدبلوماسية، في نهاية المطاف، ليست تاريخاً مهنياً فقط، وإنما هي أيضاً رؤية، وجرأة، وقدرة على التواصل وإقناع الآخرين بأن لتونس مكاناً تستحقه في عالم شديد التنافس.



