تونس ليست طرفاً في الاتفاق الليبي التركي، لكنها ليست بعيدة عن تداعيات النزاع البحري. فخلف الجدل الذي أثارته مصادقة البرلمان الليبي على الاتفاق، يوجد خلاف تونسي ليبي قائم بشأن المطالب البحرية، سبق أن انتقلت تفاصيله إلى الأمم المتحدة.
لم تعد مصادقة البرلمان الليبي، يوم 20 أكتوبر 2026، على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا مجرد تطور في العلاقات بين طرابلس وأنقرة، بل أعادت فتح ملف ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط، وسط اعتراضات أوروبية ويونانية وقبرصية، وتساؤلات بشأن انعكاسات إعادة رسم مناطق الاختصاص البحري على حقوق الدول المجاورة.
وبينما تركزت ردود الفعل الدولية على تأثير الاتفاق في اليونان وقبرص، تبرز بالنسبة إلى تونس مسألة أخرى أكثر اتصالاً بمصالحها المباشرة: هل يمكن أن تتقاطع المطالب البحرية الليبية مع الحقوق التونسية في الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وهل يمكن أن تؤثر التطورات الجديدة في مسار ترسيم الحدود بين البلدين؟
الإجابة لا تكمن في المواقف السياسية وحدها، بل في الوثائق والإحداثيات البحرية التي أودعتها ليبيا لدى الأمم المتحدة، وفي التحفظات التي سجلتها تونس بشأن بعض المطالب الليبية.
تونس تتحرك لدى الأمم المتحدة.. والخلاف أقدم من الاتفاق التركي
تكشف الوثائق الأممية أن الخلاف البحري بين تونس وليبيا لا يتعلق فقط بمذكرة التفاهم الموقعة بين ليبيا وتركيا في نوفمبر 2019، بل يرتبط أيضاً بكيفية تحديد بعض المناطق البحرية بين تونس وليبيا نفسها.
ففي 24 فيفري 1982، أصدرت محكمة العدل الدولية حكماً بشأن ترسيم الجرف القاري بين البلدين، مستندة إلى مبادئ الإنصاف والظروف الجغرافية ذات الصلة. وبعد ذلك، أبرم البلدان في 8 أوت 1988 اتفاقاً لتنفيذ الحكم وتحديد خط ترسيم الجرف القاري.
لكن هذا المسار لم يحسم جميع المسائل البحرية بين الطرفين. فوفق وثيقة تونسية منشورة لدى الأمم المتحدة، اعترضت تونس على الطريقة التي حددت بها ليبيا الحدود الغربية لمنطقتها المتاخمة، معتبرة أن الخط الذي اعتمدته طرابلس قد يمس الحقوق السيادية والاختصاصات التونسية في المنطقة الاقتصادية الخالصة.
وأكدت تونس في الوثيقة نفسها أن بعض المطالب الليبية قد تؤثر في وضع المناطق البحرية بين البلدين، وجددت استعدادها للتعاون والتشاور والتفاوض بحسن نية للتوصل إلى ترسيم يتوافق مع القانون الدولي ويراعي المصالح المشتركة.
وهنا تكمن النقطة الأساسية: تونس لديها تحفظات بحرية موثقة تجاه مطالب ليبية، بصرف النظر عن الجدل المحيط بالاتفاق مع تركيا.
ماذا أضافت مصادقة البرلمان الليبي؟
وقّعت حكومة الوفاق الوطني الليبية وتركيا مذكرة التفاهم المتعلقة بترسيم مناطق الاختصاص البحري في 27 نوفمبر 2019، ودخلت حيز النفاذ في ديسمبر من العام نفسه وفق سجل المعاهدات الأممي.
وفي 20 أكتوبر 2026، صادق مجلس النواب الليبي، المتمركز في شرق البلاد، بالإجماع على المذكرة، وألغى قرارات سابقة صادرة عام 2020 كانت قد رفضت التصديق على الاتفاقين الموقعين مع تركيا ودعت إلى قطع العلاقات السياسية معها.
وتحدد المذكرة مناطق الاختصاص البحري بين ليبيا وتركيا، بما يشمل الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة، استناداً إلى إحداثيات جغرافية واردة في الاتفاق وملاحقه.
وقد أثارت المصادقة الجديدة اعتراضات يونانية، فيما عبّر الاتحاد الأوروبي عن رفضه الاتفاق، معتبراً أنه يمس الحقوق السيادية لدول ثالثة ولا يتوافق مع قانون البحار.
لكن هذه الاعتراضات لا تعني تلقائياً أن الاتفاق يمس الحدود البحرية التونسية. فذلك يتطلب التحقق من موقع المناطق المحددة في المذكرة ومقارنتها بخطوط الترسيم والمطالب البحرية التونسية والليبية.
أين تكمن المخاطر بالنسبة إلى تونس؟
هناك ثلاثة مستويات ينبغي التمييز بينها.
أولاً: الحدود البحرية التونسية الليبية. وهي المسألة الأكثر مباشرة، لأن تونس سبق أن اعترضت على مطالب ليبية تتعلق بتحديد بعض المناطق البحرية، ورأت أنها قد تؤثر في حقوقها واختصاصاتها.
ثانياً: امتداد المطالب البحرية الليبية إلى مناطق أخرى من المتوسط. فقد قدمت ليبيا في عام 2025 وثائق إلى الأمم المتحدة بشأن الحدود الخارجية لجرفها القاري، مستندة ضمن ما استندت إليه إلى مذكرة التفاهم مع تركيا. وأثارت هذه المطالب اعتراضات من دول متوسطية، كما تدخلت تونس في المسار الأممي للاعتراض على جوانب من التصور الليبي للحدود البحرية.
ثالثاً: المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. فترسيم المناطق البحرية يرتبط بحقوق استكشاف النفط والغاز واستغلال الموارد الطبيعية، فضلاً عن الأنشطة الاقتصادية والبنية التحتية البحرية. وأي خلاف بشأن تحديد المناطق البحرية قد يثير نزاعات حول الاختصاصات والتراخيص، إذا تداخلت المطالب أو تعارضت.
ومع ذلك، لا تتوفر في المعلومات المنشورة التي استند إليها هذا التقرير أدلة كافية للجزم بأن مذكرة ليبيا وتركيا اقتطعت مساحة من المياه التونسية أو ألغت حقوقاً بحرية لتونس. فهذه نتيجة قانونية وجغرافية تحتاج إلى مقارنة دقيقة للإحداثيات والخرائط الرسمية.
هل يمكن أن تتحول القضية إلى نزاع تونسي ليبي جديد؟
لا يعني وجود تحفظات تونسية أن البلدين يتجهان حتماً إلى مواجهة قانونية أو دبلوماسية. فالوثيقة التونسية المقدمة إلى الأمم المتحدة تؤكد استعداد تونس للتفاوض والتشاور بحسن نية من أجل الوصول إلى ترسيم يتوافق مع القانون الدولي.
لكن التطورات الأخيرة تجعل متابعة الملف أكثر أهمية، خصوصاً في ظل تمسك ليبيا بمطالبها البحرية وتوسيعها النقاش حول حدود جرفها القاري، بالتوازي مع إحياء الاتفاق مع تركيا.
وبالنسبة إلى تونس، يتمثل التحدي في التأكد من أن أي ترتيبات أو مطالب بحرية جديدة لا تتعارض مع الحقوق التي تستند إليها في القانون الدولي، وأن تبقى قنوات التفاوض مفتوحة لتجنب تحول الخلافات الفنية بشأن الإحداثيات إلى نزاع سياسي أوسع.
السؤال الذي ينتظر إجابة تونسية واضحة
بعد مصادقة البرلمان الليبي على الاتفاق البحري مع تركيا، تبرز الحاجة إلى توضيح رسمي بشأن مدى تأثير التطورات الجديدة في المصالح التونسية، وما إذا كانت تونس تعتزم اتخاذ خطوات إضافية لدى الأمم المتحدة لتثبيت تحفظاتها.
فالقضية لا تتعلق فقط بمن يملك حق التنقيب في شرق المتوسط، بل أيضاً بكيفية تحديد المناطق البحرية بين دول الجوار، وبالضمانات القانونية التي تحمي حقوق تونس في الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.
حتى الآن، لا يمكن القول إن الاتفاق الليبي التركي مسّ مباشرة بالحقوق البحرية التونسية. لكن الوثائق الأممية تثبت أن تونس وليبيا لديهما بالفعل نقاط خلاف بشأن مطالب بحرية، وهو ما يجعل أي تطور جديد في الملف الليبي جديراً بالمتابعة الدقيقة.
المصادر: سجل معاهدات الأمم المتحدة؛ وثيقة الأمم المتحدة أ/79/784 بشأن الموقف التونسي من المطالب البحرية الليبية؛ محكمة العدل الدولية؛ ووكالة الأنباء الليبية بشأن مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم في 20 أكتوبر 2026.
