الرئيسيةآخر الأخبارتونس وإيطاليا في مواجهة المطالب البحرية الليبية.. وخلافات مختلفة ترسم خريطة جديدة...

تونس وإيطاليا في مواجهة المطالب البحرية الليبية.. وخلافات مختلفة ترسم خريطة جديدة للمتوسط

تتجه قضية الحدود والمناطق البحرية في البحر المتوسط إلى مرحلة جديدة من التجاذب القانوني والدبلوماسي، بعد أن سجلت كل من تونس وإيطاليا واليونان مواقف معارضة أو متحفظة تجاه أجزاء من الطروحات البحرية الليبية، وإن كانت لكل دولة مرجعياتها وحساباتها الخاصة.

وتكشف الوثائق المودعة لدى الأمم المتحدة أن تونس تقدمت في 19 أبريل 2026 بمذكرة شفوية بشأن المطالب البحرية الليبية، فيما أودعت إيطاليا في 26 مايو 2026 مذكرة تخص الموضوع نفسه. وتظهر المذكرات ضمن الوثائق الرسمية المتعلقة بالحدود البحرية الليبية لدى الأمم المتحدة.

تونس تستند إلى مسار قانوني بدأ قبل أربعة عقود

الموقف التونسي له خصوصية واضحة، لأنه يرتبط مباشرة بالمسار الذي بدأ أمام محكمة العدل الدولية في قضية الجرف القاري بين تونس وليبيا.

ففي حكمها الصادر في 24 فبراير 1982، حددت المحكمة المبادئ والقواعد التي ينبغي اعتمادها لترسيم الجرف القاري بين البلدين، واعتبرت أن تطبيق خط تساوي المسافات، في ظروف القضية، لا يؤدي بالضرورة إلى نتيجة منصفة، واعتمدت بدلاً من ذلك مبادئ الإنصاف وعوامل جغرافية محددة.

ولم يتوقف المسار عند الحكم القضائي، إذ أبرمت تونس وليبيا في 8 أغسطس 1988 اتفاقاً لتنفيذ حكم المحكمة وتحديد خط ترسيم الجرف القاري بين البلدين.

وتسجل الأمم المتحدة هذين المستندين، إلى جانب الحكم القضائي، ضمن المواد القانونية الأساسية التي تحكم الحدود البحرية التونسية الليبية.

وبالتالي، فإن التحفظ التونسي الحالي لا ينطلق من موقف ظرفي تجاه ليبيا، وإنما يرتبط بترسيم سبق أن عولج قضائياً واتفق البلدان لاحقاً على تنفيذه.

اليونان.. معركة مختلفة مرتبطة بتركيا

أما اليونان، فالقضية ترتبط بدرجة أكبر بالمذكرة البحرية التي وقعتها ليبيا وتركيا في 27 نوفمبر 2019 بشأن تحديد مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط.

وتعترض أثينا على هذه المذكرة لأنها ترى أنها تتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية، وفي مقدمتها جزيرة كريت.

وتظهر مذكرة التفاهم التركية الليبية نفسها ضمن الوثائق الرسمية المسجلة لدى الأمم المتحدة، إلى جانب المراسلات والاحتجاجات اليونانية المتعلقة بالمطالب البحرية الليبية.

وكانت اليونان قد دخلت في السنوات الأخيرة في خلافات مباشرة مع ليبيا بشأن عمليات التنقيب عن المحروقات في المناطق الواقعة جنوب كريت، في ظل استمرار الخلاف حول تفسير الحدود البحرية وحقوق الجزر.

إيطاليا.. ملف مختلف لكنه يتقاطع مع المطالب الليبية

أما روما، فتتحرك في مسار مختلف عن أثينا وتونس، وإن كان الملف الليبي يتقاطع مع مصالحها البحرية والاقتصادية.

وتظهر وثائق الأمم المتحدة أن إيطاليا أودعت في 26 مايو 2026 مذكرة رسمية بشأن المطالب البحرية الليبية. كما أن إيطاليا كانت قد شرعت خلال العام الحالي في تحديث إطارها القانوني والخرائطي المتعلق بالمناطق البحرية.

وفي 7 مايو 2026 أقر البرلمان الإيطالي القانون رقم 70 المتعلق بالاستفادة من الموارد البحرية، وتضمن أحكاماً جديدة بشأن المنطقة المتاخمة وخطوط الأساس البحرية.

وفي 24 سبتمبر 2026 أودعت إيطاليا لدى الأمم المتحدة إحداثيات محدثة لخطوط أساسها البحرية، لتحل محل البيانات التي كانت مودعة منذ عام 1996. وتكتسب هذه الخطوة أهمية قانونية وتقنية لأنها تحدد نقاط القياس التي تنطلق منها حسابات البحر الإقليمي والمناطق البحرية الإيطالية.

لكن من المهم عدم الخلط بين تحديث خطوط الأساس الإيطالية وبين إعلان إيطاليا ضم مساحات بحرية جديدة؛ فالوثائق الإيطالية تشرح أن الأمر يتعلق بتحديث الإحداثيات والمرجع الجغرافي، وليس ببساطة « الاستيلاء على مساحة جديدة من البحر ».

ثلاث دول.. وثلاثة منطلقات

وهنا تكمن أهمية التطورات الأخيرة.

فتونس تتحرك انطلاقاً من حكم قضائي دولي واتفاق ثنائي مع ليبيا لتنفيذه.

واليونان تتحرك أساساً في مواجهة الترتيبات البحرية الليبية التركية وانعكاساتها على حقوق الجزر اليونانية، ولا سيما كريت.

أما إيطاليا، فتتعامل مع ملفها من زاوية حقوقها ومصالحها البحرية الخاصة، بما في ذلك التداخل مع المطالب الليبية وتحديث إطارها القانوني والخرائطي البحري.

ومع ذلك، تلتقي المواقف الثلاثة عند نقطة أساسية: رفض أن تتحول خرائط أو إعلانات أحادية الجانب إلى أمر واقع في مناطق بحرية متنازع عليها.

لماذا أصبحت الخريطة البحرية أكثر أهمية؟

القضية لم تعد مجرد خطوط على الخرائط.

فالمناطق البحرية ترتبط بحقوق استغلال الموارد الطبيعية، والتنقيب عن النفط والغاز، ومشروعات الطاقة البحرية، إضافة إلى الكابلات البحرية وخطوط الأنابيب والبنية التحتية الموجودة أو المزمع إنشاؤها في المتوسط.

وتزداد حساسية الملف مع توسع أنشطة التنقيب عن الغاز في المنطقة الواقعة جنوب كريت، الأمر الذي يجعل تحديد مناطق الاختصاص البحري أكثر ارتباطاً بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية لدول المنطقة.

وتشير الوثائق الرسمية إلى أن ليبيا أودعت في مايو 2025 إعلاناً يتعلق بالحدود الخارجية لجرفها القاري، قبل أن تتوالى اعتراضات ومذكرات من دول متوسطية، بينها تونس وإيطاليا واليونان.

المتوسط يدخل مرحلة «حرب الخرائط»

ما يجري حالياً لا يعني وجود تحالف قانوني موحد بين تونس وإيطاليا واليونان ضد ليبيا؛ فلكل دولة ملفها وأساسها القانوني ومصالحها.

لكن التطورات تكشف في المقابل أن الخريطة البحرية للمتوسط أصبحت ساحة صراع قانوني واقتصادي متزايد، في وقت تتقاطع فيه مطالب الدول مع مشاريع الطاقة والاستكشاف والاتصالات والبنية التحتية البحرية.

وبالنسبة إلى تونس، يبقى العنصر الأكثر حساسية هو أن موقفها يرتبط بحدود بحرية سبق أن نظرت فيها محكمة العدل الدولية سنة 1982، ثم جرى الاتفاق مع ليبيا سنة 1988 على تنفيذ الحكم وترسيم الجرف القاري.

أما الجديد في 2026 فهو أن طرابلس أعادت فتح ملف المطالب البحرية على نطاق أوسع، ما دفع دولاً متوسطية إلى تثبيت مواقفها رسمياً لدى الأمم المتحدة، لتصبح الوثائق والخرائط المودعة لدى المنظمة الدولية جزءاً أساسياً من المعركة القانونية المقبلة حول مياه المتوسط.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى