الرئيسية أخبار تونس رئيس منظمة الأطباء الشبان: “المستشفيات بلا سيولة… والأزمة أعمق من التأخير في...

رئيس منظمة الأطباء الشبان: “المستشفيات بلا سيولة… والأزمة أعمق من التأخير في المستحقات

0
810
الأطباء الشبان
الأطباء الشبان

في كل مرة تتدخّل فيها المنظمة التونسية للأطباء الشبان للمطالبة بصرف المستحقات المالية المتخلّدة لفائدة الأطباء الشبان منذ أشهر وأحيانًا منذ سنوات، يتكرّر نفس الجواب تقريبًا على لسان مسؤولي المؤسسات الصحية

:
«عندكم الحق، لكن المستشفى لا يملك سيولة مالية!»

هذه الوضعية، وفق ما كشفه الدكتور وجيه ذكار، رئيس المنظمة، لا تعكس حالة استثنائية أو سوء تصرف فردي داخل بعض المستشفيات، بل تعبّر عن إشكال بنيوي أعمق يطاول المنظومة الصحية العمومية برمّتها.

ففي أحد المستشفيات بالعاصمة، يروي ذكار أن مدير المؤسسة نفسه عبّر عن عجزه عن خلاص مزوّدي المستشفى أو اقتناء مستلزمات أساسية مثل قوارير التحاليل أو تجهيزات طبية ضرورية، ما يجعل مسألة خلاص الأطباء الشبان مؤجلة تلقائيًا داخل سلم أولويات شبه منهار.

لكن، حسب هذا التصوّر، لا يتعلق الأمر بفساد أو سوء إدارة، بل بمعادلة مالية معقدة: المستشفيات تصرف على العلاج بأسعار رمزية مقارنة بالكلفة الحقيقية، ثم تنتظر تحويل مستحقاتها من الصندوق الوطني للتأمين على المرض، وهو ما يتأخر بدوره بسبب ديون متراكمة لدى الصناديق الاجتماعية الأخرى.

حلقة مالية مغلقة

هذه الحلقة المالية المغلقة بين المستشفيات العمومية والصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام)، وبين هذا الأخير والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية ، أدت إلى تراكم ديون ضخمة تُقدّر بالمليارات.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن ديون المستشفيات لدى “الكنام” تبلغ مستويات مرتفعة جدًا، ما يجعل السيولة شبه مشلولة داخل المؤسسات الصحية العمومية، ويؤثر مباشرة على قدرتها على خلاص الأطباء والمزودين وتوفير التجهيزات والأدوية.

تدخلات ظرفية لا تحل الأزمة

في المقابل، تتدخل وزارة الصحة بشكل متقطع، غالبًا تحت ضغط التحركات الاجتماعية أو حملات التواصل، عبر ضخ اعتمادات محدودة أو اتخاذ إجراءات إسعافية، غير أنها، وفق منتقدين، تبقى غير قادرة على معالجة أصل الإشكال.

فمدير المستشفى، الذي يجد نفسه أمام ديون ثقيلة وعجز مالي مزمن، يتلقى أحيانًا اعتمادات إضافية لا تكفي سوى لتغطية جزء بسيط من الاحتياجات اليومية، من دون حل جذري لمسألة التمويل.

النتيجة: أزمة منظومة لا أزمة أعوان

ما تكشفه هذه الشهادة، بحسب مراقبين، هو أن أزمة الأطباء الشبان ليست سوى وجه من أزمة أوسع تطال المستشفى العمومي ككل: نقص في السيولة، تأخر في الخلاصات، ضغط على الخدمات، وتدهور في ظروف العمل والرعاية.

فالمواطن بدوره يدفع الثمن عبر نقص الأدوية، طول مواعيد الانتظار، وتراجع جودة الخدمات، فيما يواجه الإطار الطبي وشبه الطبي ضغطًا مهنيًا متزايدًا في ظل تأخر مستحقاتهم.

أزمة تمويل قبل أن تكون أزمة إدارة

في المحصلة، يبدو أن الإشكال لا يتعلق فقط بتسيير المستشفيات أو بسياسات ظرفية، بل بمنظومة تمويل كاملة تعاني من اختلالات متراكمة. فالمستشفيات العمومية مدينة بمستحقات كبيرة لدى منظومة التأمين الصحي، هذه الأخيرة بدورها تنتظر تحصيل ديونها من الصناديق الاجتماعية، في سلسلة متواصلة من العجز.

وبين هذا وذاك، تبقى المستشفيات في حالة شلل مالي جزئي، والأطباء الشبان في مواجهة مباشرة مع تأخر مستحقاتهم، والمواطن في قلب منظومة صحية مثقلة بالأعطاب.

ويخلص هذا الطرح إلى أن أي إصلاح حقيقي للقطاع الصحي لا يمكن أن يقوم على إجراءات جزئية أو حلول ظرفية، بل على مراجعة جذرية لمنظومة التمويل وضمان استدامتها، باعتبارها المدخل الأساسي لأي تحسين فعلي في الخدمات الصحية العمومية.

blank
blank