لم تكن مشاركة تونس في عملية «فينيكس» التي نفذتها المنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الإنتربول» مجرد حضور ضمن قائمة الدول المشاركة.
فهذه العملية التي امتدت ثلاثة أسابيع عبر تونس والجزائر والمغرب والأردن وفلسطين سجلت سابقة إقليمية، بعدما تولت ضابطات الشرطة المسؤولية العملياتية الكاملة عن مختلف مراحلها، من التدقيق في وثائق السفر واستجواب المسافرين إلى إدارة العمليات الحدودية والتنسيق الشرطي الدولي.
وبحسب الإنتربول، كانت تونس إحدى الدول الخمس التي شاركت في العملية، كما تولت الضابطات إدارة التعاون الدولي عبر مكاتب الإنتربول في البلدان المشاركة.
من الحدود إلى التنسيق الدولي.. شرطيات في قلب العملية
اللافت في «فينيكس» أن دور النساء لم يكن رمزياً أو مقتصراً على مهام محددة، بل امتد إلى مختلف مستويات العملية.
فقد تولت الضابطات عمليات التدقيق الأولية في وثائق المسافرين، والمقابلات الأمنية في النقاط الحدودية، ثم انتقل دورهن إلى إدارة العمليات على الحدود.
كما تولين التنسيق الدولي عبر مكاتب الإنتربول في الدول الخمس المشاركة، إضافة إلى تنسيق الأنشطة داخل مركزي العمليات اللذين أقامتهما المنظمة في الجزائر والأردن.
وبذلك، تقول الإنتربول إن «فينيكس» كانت أول عملية عابرة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتولى فيها ضابطات الشرطة المسؤولية العملياتية الكاملة.
وتكتسب المشاركة التونسية في هذا السياق أهمية خاصة، إذ إن مشروع «مومينتوم-مينا» الذي أُنجزت العملية في إطاره جعل من تطوير قدرات الشرطيات وتمكينهن من مواقع القيادة والعمل العملياتي أحد محاور المشروع الأساسية.
تونس كانت حاضرة قبل «فينيكس»
المشاركة التونسية في هذه التجربة لم تبدأ مع عملية «فينيكس».
فصفحة مشروع «مومينتوم-مينا» الرسمية على موقع الإنتربول تكشف أن أول ضابطة شرطة استفادت من برنامج الزمالة المهنية للمشروع كانت تونسية.
وقد التحقت الضابطة التونسية بالبرنامج في سبتمبر 2024، ضمن زمالة استمرت 12 أسبوعاً، أتاحت لها العمل داخل عدد من إدارات الإنتربول والتعرف إلى الممارسات العملياتية والخبرة التقنية وآليات التعاون الشرطي الدولي، إضافة إلى المشاركة في أنشطة التدريب التي نظمها المشروع.
وهذا يعني أن مشاركة الشرطيات التونسيات في «فينيكس» جاءت ضمن مسار تدريبي ومهني أوسع بدأ قبل العملية بسنوات، وكان هدفه إعداد ضابطات من المنطقة لتولي أدوار أكثر تقدماً في أجهزة إنفاذ القانون.
أكثر من 20 ضابطة تونسية وعربية في برنامج للقيادة
وفي أكتوبر 2024، جمع برنامج «مومينتوم-مينا» أكثر من 20 ضابطة شرطة من الجزائر ومصر والأردن وفلسطين وتونس في مدينة ليون الفرنسية، في دورة مخصصة للقيادة في مجال إنفاذ القانون.
وكان الهدف من التدريب تعزيز مهارات القيادة وإعداد المشاركات لتولي أدوار تتعلق بصنع القرار والقيادة داخل أجهزة إنفاذ القانون في بلدانهن.
ومن هذه الزاوية، تبدو عملية «فينيكس» بمثابة انتقال من التدريب إلى الاختبار الميداني، إذ وضعت ضابطات من الدول نفسها في موقع المسؤولية العملياتية عن عملية أمنية عابرة للحدود.
تونس العاصمة كانت أيضاً محطة في المشروع
ولم تكن تونس مجرد دولة مشاركة في البرامج، بل احتضنت أيضاً إحدى أهم فعاليات المشروع.
ففي ديسمبر 2024، استضافت تونس العاصمة دورة تدريبية استمرت أربعة أيام حول التحقيق في الجرائم السيبرية، وجمعت أكثر من 40 محققة ومحللة ومدعية عامة وقاضية من سبع دول هي الجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين وتونس.
وركزت الدورة على تعزيز مهارات النساء في أجهزة إنفاذ القانون والقطاع القضائي في التحقيق في الجرائم السيبرية وملاحقة مرتكبيها.
كما شارك محققون ومحللون من تونس في نوفمبر 2024 في تدريب في عمّان حول الاستخبارات الجنائية المستقاة من المصادر المفتوحة، في إطار المشروع نفسه.
عملية أمنية و700 ألف تدقيق
أما على المستوى العملياتي، فقد أظهرت «فينيكس» حجم الاعتماد على قواعد بيانات الإنتربول.
فخلال ثلاثة أسابيع، أجرت الأجهزة المشاركة أكثر من 700 ألف عملية تدقيق ومطابقة مع قواعد بيانات المنظمة، نتج عنها 246 تطابقاً إيجابياً يتعلق بأشخاص ووثائق سفر.
وأسفرت العملية إجمالاً عن توقيف 48 شخصاً، بينهم ثمانية مطلوبين دولياً بموجب نشرات حمراء للإنتربول وشخص آخر مطلوب بموجب تعميم صادر عن المنظمة.
كما ضبطت السلطات المشاركة خمس وثائق سفر كانت مدرجة ضمن قاعدة بيانات وثائق السفر المسروقة والمفقودة، إضافة إلى 11 سيارة فاخرة و1.8 كيلوغرام من الذهب و13 ألف قرص من الكبتاغون و123 كبسولة من الميثامفيتامين و1525 علبة سجائر مهربة و530 هاتفاً محمولاً، فضلاً عن مبالغ مالية بالدولار واليورو.
توقيف مطلوب فرنسي على الحدود الجزائرية التونسية
ومن أبرز الوقائع التي سجلتها العملية بالنسبة إلى تونس، توقيف فار من السجن كان مطلوباً لدى السلطات الفرنسية.
وتقول الإنتربول إن الرجل كان قد أدين وحُكم عليه بالسجن 15 عاماً بتهمة القتل، قبل أن يتم توقيفه عند معبر بري على الحدود بين الجزائر وتونس.
ولا تحدد المنظمة في بيانها اسم المعبر ولا توضح ما إذا كان التوقيف قد تم على الجانب الجزائري أو التونسي من الحدود، كما لا تنسب العملية إلى جهاز أمني تونسي بعينه.
وهذه نقطة مهمة، لأن البيان الرسمي لا يسمح بالقول إن الأجهزة التونسية نفذت هذا التوقيف، وإنما يؤكد أن الحدود الجزائرية التونسية كانت مسرحاً لإحدى أبرز نتائج العملية.
شبكة تونسية داخل منظومة الإنتربول
وتتمتع تونس منذ سنوات بمكتب مركزي وطني للإنتربول، وهو حلقة الوصل بين أجهزة إنفاذ القانون التونسية وبقية المكاتب المركزية الوطنية والأمانة العامة للمنظمة.
وتوضح الإنتربول أن المكتب المركزي الوطني في تونس يشارك في التحقيقات والعمليات والاعتقالات العابرة للحدود، ويتبادل البيانات والمعلومات الجنائية مع نظرائه في الدول الأخرى عبر منظومة الاتصالات الشرطية الآمنة «آي-24/7».
وهذه البنية هي التي تجعل من عملية مثل «فينيكس» أكثر من مجرد سلسلة من عمليات التفتيش عند المعابر: فالضابط الموجود على الحدود يمكنه، عند توفر الصلاحيات، إجراء تدقيق مباشر في قواعد بيانات الإنتربول، بينما يمكن للمكاتب المركزية الوطنية تنسيق المعلومات مع أجهزة الشرطة في بلدان أخرى.
من التدريب إلى القيادة
وتكشف تجربة «فينيكس» بالتالي عن مسار بدأته تونس، إلى جانب دول عربية أخرى، داخل مشروع «مومينتوم-مينا»: تدريب الشرطيات، تطوير مهاراتهن في الاستخبارات والتحقيق والتعاون الدولي، ثم إشراكهن في مواقع قيادة العمليات الميدانية.
وقد كان المشروع الذي يمتد لثلاث سنوات ممولاً من الاتحاد الأوروبي، وشمل تونس والجزائر والأردن وفلسطين ولبنان والمغرب ومصر.
أما «فينيكس»، فكانت الاختبار العملي الأبرز لهذا المسار حتى الآن، وفق ما يظهر من وصف الإنتربول للعملية.
وبالنسبة إلى تونس، فإن الرسالة الأهم في هذه العملية لا ترتبط فقط بعدد الموقوفين أو المحجوزات، وإنما بظهور ضابطات تونسيات ضمن منظومة إقليمية تولت فيها النساء مسؤوليات عملياتية وقيادية مباشرة في عملية أمنية دولية على الحدود.
والإنتربول نفسه اختصر أهمية التجربة في كون «فينيكس» أول عملية من هذا النوع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتولى فيها الشرطيات المسؤولية العملياتية الكاملة.
