الرئيسيةأخبار تونسلماذا رافق الألمان بعثة البنك المركزي التونسي إلى البرازيل؟

لماذا رافق الألمان بعثة البنك المركزي التونسي إلى البرازيل؟

أثارت مشاركة ممثلين عن الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في زيارة دراسية قام بها وفد من البنك المركزي التونسي إلى البرازيل تساؤلات حول طبيعة الدور الألماني في مهمة خصصت أساساً للاطلاع على التجربة البرازيلية في مجال الدفع الفوري، ولا سيما منظومة «بيكس» التي أصبحت واحدة من أبرز تجارب رقمنة المدفوعات في العالم.

الزيارة، التي جاءت في إطار التعاون الفني بين البنك المركزي التونسي والبنك المركزي البرازيلي، لم تكن مجرد مهمة للاطلاع على الجانب التقني لمنظومة الدفع الفوري، بل شملت أيضاً جوانب الحوكمة والتنظيم والنموذج الاقتصادي والعوامل التي ساهمت في انتشار المنظومة البرازيلية على نطاق واسع.

وقد عقد الوفد التونسي، على مدى يومين، سلسلة من اللقاءات مع مسؤولي البنك المركزي البرازيلي وخبرائه، جرى خلالها عرض مسار إنشاء منظومة «بيكس» وآليات إدارتها وتنظيمها، إلى جانب بحث التجربة البرازيلية في رقمنة المدفوعات والدروس التي يمكن أن تستفيد منها تونس في تطوير منظومتها الخاصة.

كما شملت الزيارة لقاءات مع عدد من أبرز المؤسسات الناشطة في القطاع المالي والتكنولوجي البرازيلي، بهدف التعرف إلى كيفية استفادة المصارف وشركات الخدمات المالية من منظومة الدفع الفوري في تطوير خدمات موجهة إلى الأفراد والمؤسسات.

لماذا كانت الوكالة الألمانية موجودة؟

الإجابة تبدو مرتبطة مباشرة بالإطار الذي نظمت فيه الزيارة.

فالمهمة تندرج ضمن مشروع «تعزيز الإدماج المالي والاجتماعي والاقتصادي في تونس»، وهو مشروع تنفذه الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في تونس بتمويل من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية، وبتمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي.

ويهدف المشروع، من بين ما يهدف إليه، إلى دعم المؤسسات التونسية في تطوير الإدماج المالي والخدمات المالية الرقمية، وتعزيز قدراتها في المجالات المرتبطة برقمنة المدفوعات وتطوير خدمات مالية مبتكرة.

ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة ممثلي الوكالة الألمانية في الوفد لا تعني، وفق المعطيات المعلنة، أن الجانب الألماني يتولى تحديد خيارات البنك المركزي التونسي أو اختيار منظومة دفع بعينها، وإنما تأتي في إطار التعاون الفني الذي يموله وينفذه المشروع الألماني الأوروبي.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الاطلاع على التجربة البرازيلية لا يعني بالضرورة أن تونس قررت اعتماد منظومة «بيكس» كما هي.

هل تستعد تونس لمنظومة دفع فوري على الطريقة البرازيلية؟

حتى الآن، لا يوجد في المعطيات المعلنة ما يفيد بأن تونس اتخذت قراراً باعتماد المنظومة البرازيلية نفسها.

فالحديث الرسمي يدور عن دراسة التجربة واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساهم في إثراء التفكير والمبادرات المتعلقة بتحديث منظومة الدفع في تونس وتعزيز الإدماج المالي.

لكن السؤال الذي تطرحه هذه الزيارة يتجاوز مسألة الاطلاع على تجربة أجنبية.

فمنظومة «بيكس» البرازيلية لم تنجح بسبب التكنولوجيا وحدها، وإنما نتيجة منظومة متكاملة شارك فيها البنك المركزي والمصارف وشركات الخدمات المالية والتكنولوجية، ضمن قواعد واضحة وآليات تنظيمية واقتصادية سمحت بتوسيع استعمال الدفع الرقمي.

ولهذا ركزت الزيارة التونسية على الجوانب المؤسساتية والتنظيمية والتجارية إلى جانب الجوانب التقنية.

ماذا يمكن أن تستفيد تونس؟

تبحث تونس منذ سنوات عن وسائل للحد من الاعتماد على المعاملات النقدية وتوسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، في وقت ما تزال فيه نسبة مهمة من المعاملات تتم نقداً.

ومن شأن تطوير منظومة دفع فوري وطنية أن يفتح المجال أمام تحويل الأموال بين الحسابات في وقت قصير، وتسهيل المعاملات اليومية، وتطوير الخدمات المالية الرقمية، وربما توسيع استفادة الفئات التي لا تتعامل بصورة منتظمة مع القطاع المصرفي.

لكن نجاح مثل هذه التجربة يتوقف على عدد من المسائل، من بينها البنية التحتية الرقمية، والثقة في وسائل الدفع الإلكترونية، وحماية المعطيات، ومقاومة الاحتيال، وكلفة المعاملات، ومدى انخراط المصارف وشركات الخدمات المالية في المنظومة.

كما أن تجربة البرازيل تطرح سؤالاً آخر يتعلق بدور البنك المركزي في تنظيم منظومة الدفع وضمان قابلية مختلف المؤسسات للارتباط بها، بما يسمح بتوفير خدمة واسعة الانتشار وليس مجرد حلول رقمية منفصلة لكل مؤسسة.

ماذا تريد تونس من البرازيل وماذا تريد ألمانيا؟

في الظاهر، تتقاطع ثلاثة مسارات في هذه الزيارة.

الأول تونسي، ويتمثل في البحث عن حلول لتحديث منظومة الدفع وتعزيز الإدماج المالي.

والثاني برازيلي، يتمثل في نقل الخبرة المتراكمة حول منظومة «بيكس» وكيفية بناء نظام دفع فوري واسع الانتشار.

أما الثالث فهو ألماني أوروبي، يتمثل في التعاون الفني وتمويل البرامج التي تساعد تونس على تطوير الخدمات المالية الرقمية وتعزيز الإدماج المالي.

ولذلك فإن وجود ممثلي الوكالة الألمانية للتعاون الدولي إلى جانب بعثة البنك المركزي التونسي يبدو، وفق الإطار المعلن للزيارة، مرتبطاً بكون المهمة جزءاً من مشروع تعاون فني تموله ألمانيا والاتحاد الأوروبي، وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، إذ إن توجه البنك المركزي التونسي إلى دراسة منظومة «بيكس» يكشف بوضوح عن اهتمام تونسي بالتجربة البرازيلية في بناء منظومة للدفع الفوري، من دون أن يعني ذلك، في هذه المرحلة، أن تونس قررت اعتماد النموذج البرازيلي نفسه..

لكن ما سيحدد أهمية هذه الزيارة فعلياً لن يكون عدد اللقاءات التي عقدها الوفد في البرازيل، وإنما ما سيحدث بعدها.

فإذا تحولت الدروس المستخلصة من التجربة البرازيلية إلى مشروع تونسي واضح للدفع الفوري، فإن الزيارة ستكون خطوة أولى في مسار قد يعيد تشكيل طريقة إجراء ملايين المعاملات المالية في تونس.

أما إذا بقيت في حدود تبادل الخبرات والدراسات، فإنها ستظل واحدة من حلقات التعاون الفني الدولي في مجال الإدماج المالي والرقمنة.

وفي الحالتين، يبقى السؤال الأهم مطروحاً على البنك المركزي التونسي: هل تدرس تونس تجربة «بيكس» فقط، أم أنها تدرس بناء منظومة دفع فوري تونسية مستفيدة من التجربة البرازيلية؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى