اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية حالة من الجدل الواسع، عقب تداول منشور منسوب لطبيبة تونسية تُدعى « د. مريم »، زعم ناشروه أنها ألقت خطاباً ناريّاً ومؤثراً أمام قادة منظمة الصحة العالمية وبحضور مديرها العام « تيدروس أدهانوم غيبريسوس »، لتسليط الضوء على أزمات القطاع الصحي وهجرة الأطباء في تونس.
المنشور الذي حصد آلاف التفاعلات والمشاركات، نُشر مصحوباً بصورة تُظهر الطبيبة المزعومة تجلس جنباً إلى جنب مع مدير المنظمة الأممية، في مشهد بدا وكأنه توثيق لحدث تاريخي داخل أروقة الأمم المتحدة. فما حقيقة هذا الخطاب؟ وهل تملك تونس فعلاً مسؤولية بهذا الاسم في قيادة المنظمة؟
نص « الدراما الفيدرالية ».. دغدغة للعواطف
جاء في نص المنشور المتداول بأسلوب روائي مشوق: « اليوم لم أكن أتحدث بصفتي طبيبة في منظمة الصحة العالمية، بل بصفتي ابنة تونس.. تقدمت نحو المنبر، ونظرت إلى الحاضرين ثم قلت: أيها السادة، جئتكم من بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة.. لقد تعلمنا في الطب أن الوقاية خير من العلاج، لكننا اكتشفنا أن الأوطان تحتاج إلى الوقاية من الفساد ».
ويمضي النص في وصف راديكالي لردود الفعل داخل القاعة بعبارات من قبيل « خيّم الصمت على القاعة بأكملها » و »رأيت نظرات الحاضرين تتجه نحوي »، وهو ما أضفى طابعاً ملحمياً دفع آلاف المستخدمين لتصديق القصة والثناء على « شجاعة ابنة تونس ».
التدقيق الرقمي.. عيوب تقنية تفضح « الخدعة »
وحدة التحقق من الأخبار والمحتوى الرقمي خضعت الصورة المتداولة للفحص الفني الدقيق، لتتكشف المفاجأة: الصورة مفبركة بالكامل ومولدة بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي .
وقد رصد المتخصصون عدة أدلة تقنية قاطعة داخل الصورة تفضح زيفها:
- تشوهات الأيدي والأصابع: تظهر اليد اليسرى للسيدة الممسكة بالقلم بتفاصيل مبهمة وأصابع مدمجة بشكل غير طبيعي، وهو خطأ شائع جداً في الخوارزميات التوليدية.
- الوجوه الهلامية في الخلفية: ملامح الأشخاص الجالسين في المقاعد الخلفية تبدو مطموسة وممسوحة، وتفتقر للتناظر البشري الطبيعي، خاصة عند النظر إلى النظارات والعيون.
- أخطاء إدارية ولغوية في اللوحات: حملت اللوحة الموضوعة أمام السيدة اسماً ومسمى وظيفياً صِيغ بلغة فرنسية ركيكة وخاطئة إدارياً:
DIRECTEUR GENERALE DES REGIONALES(مدير عام الإقليميات)، وهو منصب لا وجود له هيكلياً في منظمة الصحة العالمية، حيث يُعتمد مسمى « المدير الإقليمي » (Regional Director). كما أن شعار المنظمة على اللوحة ظهر مشوهاً وغير منتظم.
الحقيقة الغائبة.. انتحال وتزييف
بالعودة إلى الهيكل الإداري الرسمي والبيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، تبيّن أنه لا توجد أي طبيبة أو مسؤولة تونسية تُدعى « مريم بن محمد » تشغل هذا المنصب أو ألقت خطاباً بهذا النص.
المدير العام للمنظمة، د. تيدروس أدهانوم، الظاهر في الجانب الأيمن، تم دمج ملامحه الحقيقية في مشهد مؤتمرات وهمي ومختلق بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي، لخلق انطباع زائف بالموثوقية. أما الحساب الذي بث الإشاعة ويحمل اسم
« Doc Mariem
« ، فهو صفحة وهمية تستغل القضايا الحساسة (مثل نقص الأدوية وهجرة الكفاءات) لجمع التفاعلات والمشاركات عبر دغدغة المشاعر الوطنية.



