من نوع غازي دمّر الشباك وأربك الصيد التقليدي إلى مورد اقتصادي جديد.. لكن ماذا يحدث عندما يختفي المورد؟
لم يكن وصول سرطان البحر الأزرق إلى المياه التونسية خبراً ساراً للصيادين عندما ظهر في البلاد سنة 1993.
فهذا النوع الغازي تسبب مع مرور السنوات في أضرار كبيرة لمعدات الصيد، وأربك صيد الأنواع التقليدية، ووضع آلاف العائلات التي تعتمد على البحر أمام واقع اقتصادي جديد لم تكن مستعدة له.
لكن تونس فعلت شيئاً غير متوقع: حوّلت المشكلة البيئية إلى فرصة اقتصادية.
واليوم، أصبح سرطان البحر الأزرق مورداً مهماً لعدد من الصيادين والعاملين في القطاع، وظهرت حوله سوق وأدوات صيد متخصصة ومهن جديدة.
لكن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة تقول إن هذه القصة لها وجه آخر: المورد الجديد وفر دخلاً، لكنه لم يوفر بالضرورة حماية اجتماعية لمن يعتمدون عليه.
عندما أصبح البحر مصدر خوف ومصدر رزق في الوقت نفسه
في جربة، تعمل فاطمة بن شقرى في صناعة وإصلاح مصائد سرطان البحر.
تعلمت إصلاح شباك الصيد قبل أن يتحول سرطان البحر الأزرق إلى مورد رئيسي، لكن ارتفاع الطلب على المصائد الخاصة بهذا النوع دفعها هي وشقيقها، وهو حداد، إلى ابتكار مصيدة خاصة بهما.
جربا أكثر من مرة قبل الوصول إلى تصميم ناجح.
اليوم تُباع المصائد، كما تُقدم خدمات إصلاحها، وأصبح هذا العمل مصدراً مستقراً للدخل بالنسبة إليها. كما أن إصلاح المعدات المتضررة أقل كلفة على الصيادين من استبدالها، ويساعد أيضاً على منع المصائد المكسورة من البقاء في البحر ومواصلة اصطياد الكائنات البحرية.
لكن هناك مشكلة لا تستطيع المصيدة حلها.
لا معاش تقاعدياً، ولا تأميناً، ولا حماية كافية إذا اختفى العمل فجأة.
وتقول فاطمة، بحسب منظمة الأغذية والزراعة، إن اعتمادها على هذا المورد يجعلها قلقة من احتمال اختفائه، مشيرة إلى أن كثيراً من النساء العاملات في هذا المجال لا يتمتعن بالحماية الاجتماعية.
من كارثة على الشباك إلى صناعة قائمة بذاتها
بحلول عام 2014، كان سرطان البحر الأزرق قد أصبح مصدر أضرار كبيرة للقطاع، إذ كان يدمر شباك الصيد ويؤثر في صيد الأنواع التقليدية.
وكان الصيادون يقضون ساعات أطول في البحر، فيما تتضرر معداتهم وتتراجع القدرة على توقع مداخيلهم.
في غنوش، يروي الصياد ساسي العية أن الصيادين كانوا يخسرون شباكهم والأنواع التي اعتادوا صيدها، بينما كانوا يتخلصون من كميات كبيرة من سرطان البحر الذي لم يكن له سوق كافية في البداية.
لكن الحكومة التونسية والصيادين طوّروا أدوات صيد أكثر انتقائية.
وبمرور الوقت، ظهرت مصيدة دائرية خاصة بسرطان البحر، ثم توسعت السوق مع ارتفاع الطلب، وتحول النوع الغازي تدريجياً من مصدر خسائر إلى مورد اقتصادي.
إنها إحدى الحالات النادرة التي يتحول فيها النوع الذي هدد مصدر الرزق نفسه إلى جزء من مصدر الرزق الجديد.
المشكلة التي بقيت في الخلفية
غير أن نمو هذه السوق لم يلغِ هشاشة الأشخاص الذين يعملون فيها.
فقطاع الصيد الصغير يعاني بطبيعته من الموسمية وعدم انتظام الدخل، بينما يظل جزء من النشاط غير رسمي، وهو ما يجعل الوصول إلى أنظمة الحماية الاجتماعية محدوداً.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن بعض الصيادين لا يعرفون أصلاً البرامج الاجتماعية المتاحة لهم، بينما لا يستوفي آخرون شروط الانتفاع بسبب طبيعة العمل الموسمية أو غير الرسمية، ويواجه آخرون صعوبات إدارية عند التسجيل.
وهكذا فإن المشكلة لا تتعلق فقط بمقدار ما يصيده الصياد في يوم جيد، بل بما يحدث له في اليوم الذي لا يستطيع فيه الذهاب إلى البحر.
مشروع جديد يبحث عن حل
في هذا السياق، تعمل منظمة الأغذية والزراعة من خلال برنامج الحماية الاجتماعية لمجتمعات الصيد وتربية الأحياء المائية، الممول من النرويج، على دراسة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للصيادين في تونس، والبحث في إمكانية توسيع التغطية الاجتماعية وإزالة العوائق التي تمنع بعض العاملين في القطاع من الاستفادة منها.
كما تم إنشاء لجنة تقنية مشتركة تضم سلطات الصيد ومؤسسات الحماية الاجتماعية وممثلي الصيادين والباحثين، بهدف البحث عن مسارات عملية لتوسيع التغطية الاجتماعية وجعلها أكثر ملاءمة لطبيعة العمل في البحر.
وهذا يعني أن التحدي أصبح واضحاً:
كيف يمكن حماية الصياد عندما يكون دخله موسمياً، وموارده متقلبة، وعمله معرضاً للطقس والأمراض وتغيرات البحر والأنواع الغازية؟
سرطان البحر ليس ضماناً للمستقبل
تقدم قصة سرطان البحر الأزرق درساً أوسع من قصة نوع بحري غازٍ.
فما حدث في تونس يوضح قدرة المجتمعات المحلية على التكيف: نوع جديد يهدد الصيد التقليدي، والصيادون يغيرون أدواتهم، ثم تظهر سوق جديدة، وتتحول الأزمة إلى فرصة.
لكن ذلك لا يعني أن المشكلة انتهت.
فالمورد الذي أنقذ دخل بعض الأسر يمكن أن يتراجع، والأسعار يمكن أن تتغير، والطقس يمكن أن يمنع القوارب من الخروج، والمرض يمكن أن يوقف العامل عن العمل.
ولهذا ترى منظمة الأغذية والزراعة أن استدامة قطاع الصيد لا تتعلق فقط باستدامة المورد البحري، وإنما أيضاً بوجود حماية اجتماعية وعمل لائق للعائلات التي تعتمد عليه.
وفي النهاية، تختصر قصة الصيادين التونسيين مع سرطان البحر مفارقة لافتة:
البحر أعطاهم مورداً جديداً، لكن المورد الجديد لم يمنحهم بعد الأمان الذي يحتاجه من يعيش من البحر.
