بين إعادة توجيه جزء من التمويل العسكري الأمريكي وتوسيع التعاون العملياتي.. هل تتغير طبيعة الشراكة الدفاعية التونسية الأمريكية؟
في الوقت الذي أعادت فيه الولايات المتحدة خلال سبتمبر الجاري برمجة 52 مليون دولار من أموال التمويل العسكري الخارجي كانت موجهة إلى تونس والعراق وسلوفاكيا ومقدونيا الشمالية، لتوجيهها إلى أربع دول في أمريكا اللاتينية، كانت صورة أخرى للعلاقات العسكرية التونسية الأمريكية تتشكل على الأرض في البحر المتوسط.
ففي تونس، اختتمت يوم 18 سبتمبر مناورات فينيكس إكسبرس 2026، التي قادها الأسطول السادس الأمريكي تحت إشراف القيادة الأمريكية في إفريقيا، بمشاركة 13 دولة، بينها تونس والجزائر وليبيا ومصر والمغرب وتركيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة.
المفارقة أن الولايات المتحدة كانت، في الوقت نفسه تقريباً، تعيد رسم خريطة تمويلها العسكري، بينما كانت توسع في تونس جانباً آخر من التعاون العسكري: تبادل المعلومات، الوعي بالمجال البحري، التدريب العملياتي، والقدرة على العمل المشترك.
من المال إلى القدرات
تفاصيل تمرين فينيق إكسبرس هذا العام تكشف أن التعاون لم يعد مقتصراً على المناورات التقليدية.
فالمرحلة البحرية التي انطلقت في 11 سبتمبر من بنزرت وحلق الوادي اعتمدت على مراكز عمليات بحرية إقليمية لتبادل البيانات في الزمن الحقيقي وبناء صورة عملياتية مشتركة، كما شارك مختصون أمريكيون في الاستخبارات البحرية مع أفراد البحرية التونسية لتعزيز قدراتهم في مجال الوعي بالمجال البحري.
كما شملت التدريبات عمليات البحث والإنقاذ، واعتراض السفن وتفتيشها، وتبادل المعلومات، والاستجابة للتهديدات البحرية.
وهذه التفاصيل تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، باعتبارها تقع في قلب المتوسط وعلى مقربة من ليبيا، فيما ترتبط مياهها الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة بملفات الهجرة غير النظامية والتهريب والجريمة المنظمة وحماية طرق التجارة البحرية.
تونس تريد أكثر من المساعدات
المؤشر الآخر جاء من وزارة الدفاع التونسية نفسها.
ففي يوليو الماضي، وخلال لقاء وزير الدفاع خالد السهيلي بقائد القيادة الأمريكية في إفريقيا، الجنرال داغفين أندرسون، تحدث الجانب التونسي عن توسيع التعاون في المجالات الاستراتيجية والاستخباراتية ونقل تكنولوجيا الدفاع.
كما عبّر الوزير عن رغبة تونس في تطوير التعاون في مجال الاستخبارات وتطوير القدرات البحرية ورفع الجاهزية لمواجهة التهديدات البحرية. وقالت الوزارة إن التعاون بين البلدين لم يعد يقتصر على الدعم اللوجستي والفني، بل يشمل التدريب والتكوين والتمارين العسكرية المشتركة.
وفي المقابل، أعلن قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا التزام الإدارة الأمريكية بمواصلة تعزيز التعاون العسكري مع تونس وتطوير مجالاته.
ماذا تغير إذن في السياسة الأمريكية؟
البيانات الأمريكية الأخيرة لا تقول إن واشنطن قررت إنهاء تعاونها العسكري مع تونس.
بل على العكس، فإن الوقائع العملياتية خلال 2026 تشير إلى استمرار التعاون في التدريب والمناورات وتبادل الخبرات والقدرات.
لكن ما يتغير بوضوح هو توزيع الأموال الأمريكية.
فوزارة الخارجية الأمريكية أعادت في سبتمبر برمجة 52 مليون دولار من التمويل العسكري الخارجي بعيداً عن تونس والعراق وسلوفاكيا ومقدونيا الشمالية، لصالح بنما وبيرو والإكوادور وكولومبيا. ولم تكشف واشنطن حتى الآن عن قيمة المبلغ الذي اقتطعته تحديداً من مخصصات تونس.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
التمويل العسكري ليس هو التعاون العسكري بأكمله.
فالتمويل العسكري الخارجي هو آلية لتمويل اقتناء معدات وخدمات وتدريب عسكري، فيما يمكن أن يستمر التعاون عبر التمارين والتكوين ونقل الخبرات وبرامج أخرى، إضافة إلى آليات أمريكية أخرى للمساعدة الأمنية. وتوضح وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية أن التمويل العسكري الخارجي يسمح للدول المؤهلة باقتناء معدات وخدمات وتدريب أمريكي عبر مبيعات عسكرية حكومية أو، في حالات محدودة، عبر عقود تجارية مباشرة.
والأرقام القديمة تكشف حجم التحول
وتظهر بيانات خدمة أبحاث الكونغرس أن التمويل العسكري الخارجي المخصص لتونس انخفض بالفعل على مدى السنوات السابقة، من 85 مليون دولار في السنة المالية 2021 إلى 60 مليوناً في 2022 ثم 45 مليوناً في 2023 وطلب 45 مليوناً للسنتين الماليتين 2024 و2025.
لكن خدمة أبحاث الكونغرس نفسها أشارت إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية واصلت دعم الجيش التونسي عبر آليات أخرى، حتى مع تراجع مستويات التمويل العسكري الخارجي.
وهنا تصبح صورة 2026 أكثر وضوحاً:
انخفاض في بعض قنوات التمويل، مقابل استمرار وتوسيع التعاون العملياتي.
48 عربة أمريكية.. وطائرة نقل.. ثم البحر المتوسط
ولم يكن التعاون العسكري الأمريكي التونسي في 2026 مجرد تمارين.
ففي يونيو، سلمت الولايات المتحدة تونس 48 عربة مدرعة من نوع هامفي لتعزيز قدرات الجيش التونسي في العمليات الأمنية والاستجابة السريعة وحماية الحدود ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة. كما واصلت واشنطن خلال السنوات الأخيرة نقل معدات عسكرية إلى تونس، بينها طائرات نقل من طراز سي-130.
وبالتالي فإن الحديث عن «تراجع الدعم الأمريكي لتونس» يحتاج إلى قدر من الدقة.
الأصح أن نقول إن أحد مكونات التمويل الأمريكي يتعرض لإعادة توزيع، بينما يستمر التعاون الدفاعي في مجالات أخرى.
السؤال الذي يستحق المتابعة
المسألة الأكثر أهمية الآن ليست فقط: كم دولاراً خسرت تونس؟
بل سؤال آخر قد يكون أكثر دلالة:
إذا كانت واشنطن تعيد توجيه جزء من التمويل العسكري نحو أمريكا اللاتينية، فلماذا تحافظ في الوقت نفسه على مستوى مرتفع من التعاون العملياتي مع الجيش التونسي في المتوسط؟
الجواب الكامل لم يظهر بعد في وثيقة أمريكية واحدة.
لكن الوقائع المتاحة ترسم مشهداً أكثر تعقيداً من مجرد «خفض مساعدات».
فالولايات المتحدة تعيد ترتيب أولويات التمويل على المستوى العالمي، وفي الوقت نفسه تبدو حريصة على الحفاظ على أدوات التعاون العسكري مع تونس، خصوصاً في الأمن البحري، تبادل المعلومات، التدريب، حماية طرق التجارة، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.
ولعل ما جرى في بنزرت وحلق الوادي خلال سبتمبر يقدم أفضل صورة لهذه المعادلة الجديدة: المال الأمريكي قد يتغير اتجاهه، لكن التعاون العسكري الأمريكي التونسي لم يتوقف.
بل إن بعض مؤشراته، على المستوى العملياتي، تبدو آخذة في الاتساع.
