شهدت منصات التواصل الاجتماعي في تونس مع إعلان نتائج شهادة البكالوريا موجة عارمة من التهاني والتبريكات الموجهة لـ«سي نجيب بالغيث»، أصيل معتمدية القلعة الكبرى بولاية سوسة، والذي قيل إنه حقق معجزة تعليمية بنجاحه في شعبة الآداب بمعدل 11.57، بعد انقطاع عن التعليم دام لأكثر من 46 سنة!
القصة تبدو ملهمة، وتدغدغ العواطف، وتحمل رسالة نبيلة مفادها أن «العمر مجرد رقم».. لكن المشكلة الوحيدة في هذه القصة، هي أن بطلها ليس تونسياً، ولم يجتز البكالوريا، بل هو الإيطالي كارلو أنشيلوتي، المدير الفني الحالي لنادي ريال مدريد الإسباني!
الفخ الرقمي.. كيف انطلت الحيلة؟
وقعت شريحة واسعة من المبحرين التونسيين على شبكة الإنترنت في فخ «صناعة المحتوى الساخر»، وتحولت التدوينة الفكاهية بسرعة البرق إلى خبر « يقيني » تداولته صفحات عامة ومجموعات افتراضية، بل ووصل الأمر ببعض المستخدمين إلى كتابة معلقات ثناء في « عزيمة سي نجيب » وإصراره الذي قهر العقود الأربعة من الانقطاع.
الصورة المفبركة تم دمجها رقمياً (عبر الفوتوشوب) لتظهره يمسك قلماً ودفترأً داخل قسم دراسي تونسي كُتب على جدار خلفيته «النظافة من الإيمان». أما الصورة الأصلية للمدرب الإيطالي فتعود في الحقيقة إلى عام 2023، أثناء حضوره في جامعة بارما الإيطالية لتسلم شهادة الدكتوراه الفخرية في علوم وتقنيات الأنشطة البدنية الوقائية والمعدلة.
السخرية من «التسرع الأعمى» وشهوة التفاعل
تكشف هذه الحادثة الطريفة والمبكية في آن واحد، عن أزمة حقيقية في طريقة تعامل المستخدم التونسي مع ما يقرأه على الشاشات الزرقاء. فالرغبة الجارفة في حصد الإعجابات (Likes) و »الركوب » على موجة الأحداث الساخنة كالبكالوريا، ألغت تماماً آلية التثبت والتمحيص، وهي آليات بسيطة لا تتطلب سوى ثوانٍ من البحث العكسي عن الصورة، أو حتى إمعان النظر في ملامح وجه واحد من أشهر مدربي كرة القدم في التاريخ الحديث!
لقد تحول المدرب الذي رفع الكؤوس الأوروبية ذات الأذنين الطويلتين، إلى طالب آداب يبحث عن « الـ10 حاكم » في معاهد سوسة، وسط غيبوبة رقمية جماعية أسقطت الفلتر النقدي لدى الكثيرين.
العِبرة من «البرستيج المفبرك»
إن نجاح « سي نجيب أنشيلوتي » ليس مجرد نكتة عابرة انتهت بضحكة، بل هو جرس إنذار ومثال حي على سهولة توجيه الرأي العام الافتراضي وتزييف وعيه بقصص مصنوعة بالكامل. وإذا كانت الحكاية اليوم قد توقفت عند حدود الدعابة الرياضية-التعليمية، فإنها تفتح الباب للسؤال عن مدى خطورة هذا التسرع عندما يتعلق الأمر بأخبار سياسية، أو اقتصادية، أو أمنية تمس المجتمع بشكل مباشر.
في النهاية، يبدو أن الدرس الحقيقي المستفاد من بكالوريا هذا العام لم يأتِ من كراسات التلاميد، بل من صفحة ساخرة أثبتت أن « الوعي الافتراضي » يحتاج بدوره إلى إعادة تأهيل، وأن التمحيص قبل الضغط على زر « مشاركة » أصبح ضرورة لحماية العقول من التسلل الساخر.



