الرئيسية أخبار تونس قبل أن يصلوا إلى تونس.. خريطة رحلة المهاجر من قلب إفريقيا إلى...

قبل أن يصلوا إلى تونس.. خريطة رحلة المهاجر من قلب إفريقيا إلى الحدود التونسية

0
808
blank

ليست القوارب التي تظهر على السواحل التونسية سوى المشهد الأخير من رحلة طويلة بدأت بعيدًا عن البحر. فخلف كل محاولة عبور توجد مسارات برية معقدة، وجنسيات متعددة، وشبكات تهريب عابرة للحدود، وأزمات دفعت آلاف الشباب إلى مغادرة بلدانهم بحثًا عن مخرج.

وتكشف معطيات مركز الهجرة المختلطة « أم أم سي  » لسنة 2026 أن تونس أصبحت نقطة التقاء لمسارات هجرة قادمة من مناطق مختلفة داخل القارة الإفريقية، وفي مقدمتها غرب إفريقيا والقرن الإفريقي.

من أين يأتي المهاجرون الذين يصلون إلى تونس؟

تظهر البيانات أن القادمين من نيجيريا يمثلون النسبة الأكبر من المهاجرين الذين شملتهم المعطيات، بحوالي 34 بالمائة من إجمالي الحالات، يليهم المهاجرون القادمون من إثيوبيا بنسبة تقارب 28 بالمائة.

كما تسجل المعطيات حضور جنسيات إفريقية أخرى، من بينها مهاجرون من الكاميرون وإريتريا وسيراليون وغيرها، بما يؤكد أن خارطة الهجرة نحو تونس لم تعد مرتبطة ببلد واحد، بل أصبحت تضم مسارات متعددة تنطلق من مناطق مختلفة.

غير أن القاسم المشترك بين أغلب هذه المسارات هو الفئة العمرية، إذ ينتمي حوالي نصف المهاجرين إلى فئة الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 27 سنة، وهي الفئة الأكثر استهدافًا من شبكات التهريب التي تستفيد من رغبتها في تغيير واقعها.

كما تكشف الأرقام استمرار هيمنة الرجال، حيث يمثلون حوالي 73 بالمائة من الحالات، مقابل 27 بالمائة للنساء، مع تسجيل حضور ملحوظ للنساء النيجيريات ضمن الوافدين.

إثيوبيا ونيجيريا.. مساران مختلفان نحو تونس

لا يسلك جميع المهاجرين الطريق نفسه. فالجنسية تحدد غالبًا طبيعة الرحلة وطولها والمخاطر التي تواجهها.

بالنسبة للمهاجرين الإثيوبيين، تشير المعطيات إلى أن حوالي 85 بالمائة منهم يعتمدون على شبكات تهريب للوصول إلى تونس، عبر مسار طويل يمر غالبًا من إثيوبيا ثم السودان وليبيا قبل دخول الأراضي التونسية.

هذا المسار يرتبط بشكل خاص بمناطق شهدت اضطرابات، إذ تشير البيانات إلى أن نسبة مهمة من الإثيوبيين القادمين إلى تونس تنحدر من إقليمي تيغراي وأمهرة اللذين عرفا خلال السنوات الأخيرة أزمات وصراعات أثرت على الأوضاع الإنسانية.

أما المسار النيجيري، فيبدو أكثر ارتباطًا بشبكات منظمة تتولى مراحل متعددة من الرحلة، من التنقل إلى التنسيق بين حلقات العبور المختلفة، وصولًا إلى الأراضي التونسية.

blank
93 بالمائة استعانوا بالمهربين.. من يدير الطريق؟

أبرز رقم يكشف طبيعة التحول في ملف الهجرة هو أن حوالي 93 بالمائة من المهاجرين أفادوا بأنهم استعانوا بخدمات شبكات تهريب للوصول إلى تونس.

هذا الرقم يغير طريقة النظر إلى الظاهرة: فنحن لا نتحدث فقط عن أفراد يتحركون بشكل منفرد، بل عن مسارات تديرها شبكات تعرف الطرق الصحراوية والحدود ونقاط العبور.

لكن خلف هذا التنظيم توجد رحلة مليئة بالمخاطر والانتهاكات.

قبل تونس.. رحلة من العنف والخوف

وفق المعطيات المتوفرة، أفاد حوالي 93 بالمائة من المهاجرين بتعرضهم لانتهاكات خلال الرحلة.

وتظهر الأرقام حجم المخاطر:

  • 80 بالمائة تعرضوا للعنف الجسدي، وترتفع النسبة إلى 87 بالمائة لدى الإثيوبيين.
  • 71 بالمائة واجهوا عمليات سرقة أو سطو تحت التهديد بالسلاح أثناء الطريق.
  • 64 بالمائة من المهاجرين الإثيوبيين تعرضوا للاختطاف أو الاحتجاز بهدف طلب الفدية.
  • 37 بالمائة شاهدوا جثث مهاجرين آخرين خلال الرحلة، وترتفع النسبة إلى 48 بالمائة لدى الإثيوبيين.

هذه الأرقام تكشف أن الوصول إلى تونس يأتي بعد رحلة استنزاف طويلة، وليس بعد انتقال بسيط بين بلدين.

الجزائر وليبيا.. بوابتان رئيسيتان نحو تونس

توضح الخرائط الميدانية أن أغلب طرق الوصول إلى تونس تمر عبر بوابتين رئيسيتين:

  • الحدود الجزائرية: عبر منها حوالي 54 بالمائة من المهاجرين.
  • الحدود الليبية: عبر منها حوالي 54 بالمائة أيضًا.

وتتداخل النسب لأن بعض المهاجرين مروا عبر المسارين في مراحل مختلفة من رحلتهم.

لكن نظرة المهاجر إلى البلدان التي يعبرها تختلف حسب جنسيته. فبالنسبة للإثيوبيين، تبقى ليبيا (83 بالمائة) والسودان (61 بالمائة) الأكثر ارتباطًا بالخطر.

أما النيجيريون، فيعتبرون أن مصادر الخطر تشمل الجزائر بنسبة 54 بالمائة وتونس بنسبة 40 بالمائة، رغم أن ذلك لم يمنع أغلبهم من مواصلة الطريق.

فحوالي 77 بالمائة من المهاجرين رفضوا تغيير خطتهم رغم المخاطر، وترتفع النسبة إلى 84 بالمائة لدى النيجيريين.

تونس أمام ملف بدأ قبل حدودها

تكشف هذه المعطيات أن ملف الهجرة نحو تونس لا يمكن اختزاله في مشهد القوارب أو عمليات العبور البحرية. فالمهاجر الذي يصل إلى الحدود التونسية يكون غالبًا قد قطع رحلة قد تمتد لأكثر من سنة.

وتشير الأرقام إلى أن 70 بالمائة من المهاجرين احتاجوا لأكثر من سنة للوصول إلى تونس، وترتفع النسبة إلى 95 بالمائة لدى الإثيوبيين.

كما تكشف المعطيات أن 84 بالمائة من المهاجرين لا يعرفون بشكل كافٍ القوانين التونسية، ما يزيد من هشاشتهم عند الوصول.

الخلاصة أن تونس لا تواجه فقط تدفقات بشرية، بل تواجه نتائج منظومة عابرة للحدود تبدأ من أزمات اقتصادية وأمنية في بلدان المنشأ، تمر عبر شبكات تهريب دولية، وتنتهي عند حدودها.

يتبع …من يصنع طريق الهجرة إلى تونس؟