أكد مدير مشروع محطة تحلية مياه البحر بسوسة منصف عمارة أن المحطة لم تدخل بعد مرحلة الاستغلال الفعلي، ولم تضخ أي كمية من المياه الموجهة للاستهلاك في شبكات التوزيع، نافيا بذلك ما راج مؤخرا من أخبار على شبكات التواصل الاجتماعي حول إنتاج مياه غير مطابقة للمواصفات الصحية واحتوائها على « مواد خطيرة ».
وأوضح عمارة، في تصريح لإذاعة جوهرة أف أم، أن المحطة توجد حاليا في المرحلة الأخيرة من التجارب الفنية الضرورية قبل دخولها حيز الخدمة، مشددا على أن كل ما يتم تداوله حول وجود مياه غير صالحة للاستهلاك « لا أساس له من الصحة ».
وقال إن المحطة « لم تدخل بعد طور الاستغلال ولم تضخ قطرة واحدة من المياه في شبكة التوزيع »، مؤكدا أن الاختبارات الجارية تهدف إلى التأكد من جودة المياه المنتجة ومدى احترامها للمعايير التونسية المعتمدة قبل الحصول على المصادقات اللازمة من الجهات المختصة، وخاصة وزارة الصحة والهياكل الرقابية.
تجارب تقنية قبل التشغيل الرسمي
وبيّن مدير المشروع أن العمليات الحالية تشمل معالجة أولية لمياه البحر وإجراء اختبارات مرتبطة باستعمال المواد الكيميائية الضرورية لضمان شروط النقاوة المطلوبة قبل مرور المياه عبر أغشية التناضح العكسي، وهي التقنية الأساسية المعتمدة في عملية التحلية.
وأضاف أن الفرق الفنية تعمل على مدار الساعة لاستكمال آخر المراحل التقنية في أفضل ظروف السلامة والجودة، تمهيدا لدخول المحطة طور الاستغلال بعد استكمال الاختبارات النهائية والحصول على التراخيص الضرورية.
تصريحات النائب حسام مزالي تفتح باب الجدل
وتأتي هذه التوضيحات في وقت أثارت فيه تصريحات النائب بمجلس الأقاليم والجهات حسام مزالي جدلا واسعا، بعد حديثه عن وجود مادة الهيدروكربونات في المياه الخام الموجهة للتحلية، معتبرا أن ذلك تسبب في تأخير تشغيل المحطة.
وقال مزالي إن التحاليل النهائية، حسب ما أفاد به، كشفت عن وجود هذه المواد، مشيرا إلى أن موقع المحطة قد يكون أحد أسباب الإشكال، بالنظر إلى قربه من منشآت إنتاج الكهرباء التابعة للشركة التونسية للكهرباء والغاز، إضافة إلى وجود مصبي واديين بالقرب من منطقة جلب المياه.
واعتبر النائب أن الحل قد يتمثل في تمديد قنوات جلب مياه البحر إلى مسافة أبعد داخل البحر للوصول إلى مياه أقل تأثرا بمصادر التلوث.
كما وجه انتقادات إلى الجهات التي أشرفت على الدراسات الأولية للمشروع، متسائلا عن مدى أخذها بعين الاعتبار خصوصيات الموقع والعوامل البيئية المحيطة به.
مشروع استراتيجي للأمن المائي
وتعد محطة تحلية مياه البحر بسوسة من أبرز المشاريع المائية التي تراهن عليها تونس لمواجهة تراجع الموارد التقليدية وارتفاع الطلب على مياه الشرب في منطقة الساحل.
وتبلغ طاقتها الإنتاجية في المرحلة الأولى نحو 50 ألف متر مكعب يوميا، مع إمكانية رفعها لاحقا إلى 100 ألف متر مكعب يوميا.
وبلغت كلفة المشروع حوالي 133 مليون دينار، وشمل إنجاز وحدة التحلية ومد شبكات وقنوات جلب مياه البحر وربطها بمنظومة التوزيع، بعد سنوات من الدراسات والأشغال.
هل تمثل الهيدروكربونات خطرا على المحطة؟
من الناحية التقنية، تعتبر الهيدروكربونات من الملوثات التي يمكن أن تمثل تحديا لمحطات التحلية، خاصة تلك التي تعتمد تقنية التناضح العكسي، إذ قد تؤثر على أداء الأغشية المستعملة في عملية التنقية وتتسبب في ارتفاع تكاليف الصيانة.
ولهذا تخضع مواقع محطات التحلية عادة لدراسات دقيقة تشمل مصادر التلوث المحتملة، وحركة التيارات البحرية، ومواقع المصبات، والأنشطة الصناعية والملاحية القريبة.
غير أن تحديد مصدر أي تلوث هيدروكربوني يتطلب تحاليل بيئية وتقارير فنية دقيقة، باعتبار أن هذه المواد يمكن أن تكون ناتجة عن عدة عوامل، من بينها النشاط البحري أو الصناعي أو مياه الأودية.
أسئلة معلقة بانتظار التقارير الرسمية
وبين نفي إدارة المشروع وجود أي مياه غير مطابقة قبل دخول المحطة الخدمة، وتصريحات النائب حسام مزالي حول وجود إشكال بيئي، يبقى ملف محطة تحلية سوسة مفتوحا أمام جملة من التساؤلات:
- هل أثبتت التحاليل فعلا وجود الهيدروكربونات بالمستويات التي تعيق تشغيل المحطة؟
- ما مصدر هذه المواد إن ثبت وجودها؟
- هل تم أخذ كل العوامل البيئية المحيطة بالموقع بعين الاعتبار خلال مرحلة الدراسات؟
- وهل ستحتاج الدولة إلى كلفة إضافية لتعديل منشآت جلب المياه؟
وفي انتظار نشر المعطيات الفنية الرسمية، يبقى مشروع محطة تحلية مياه البحر بسوسة أمام اختبار حقيقي: هل يتعلق الأمر بمجرد مرحلة تقنية عادية قبل التشغيل، أم أن المشروع سيواجه إشكالا بيئيا قد يفرض مراجعة بعض خياراته الهندسية؟



