عاد مشروع ربط جزيرة جربة بالبر الرئيسي عبر قنطرة ثابتة إلى الواجهة من جديد بعد لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيد بوزير التجهيز يوم أمس و أثير الملف مجدداً كخيار استراتيجي مطروح لتجاوز محدودية حركة البطاحات وتخفيف الضغط المروري المستمر على الجزيرة.
مسار تاريخي من الدراسات والفرص الاستثمارية
لم يكن مشروع ربط « جزيرة الأحلام » وليد اللحظة؛ إذ تعود الجذور الرسمية للدراسات الفنية والجدوى الاقتصادية إلى عام 2017 حين أُدرج الملف ضمن المخطط التوجيهي لوزارة التجهيز. ورغم بقائه قيد الدراسة لسنوات لأسباب تتعلق بآليات التمويل، أعيد تداول المشروع في عام 2020 كآلية مقترحة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وصولاً إلى عرضه كفرصة استثمارية ضمن حزمة المشاريع المقدمة للجانب الياباني والمستثمرين الدوليين خلال قمة « تيكاد 8 » التي احتضنتها تونس عام 2022.
أفق المخطط التنموي الجديد
شهد الملف مؤخراً دفعاً إدارياً جديداً؛ حيث تم إدراج مقترح إنشاء الجسر رسمياً كأحد المشاريع المهيكلة الكبرى المطروحة في ملامح مخطط التنمية الاستراتيجي الخماسي (2026-2030) بعد المصادقة عليه محلياً وجهوياً في ولاية مدنين، بهدف البحث عن صيغ تمويلية مرنة تضمن تجسيده على أرض الواقع وتجاوز العوائق التشريعية التي تعطل الصفقات العمومية للمشاريع الكبرى.
وفي سياق متصل وتأميناً لحركة التنقل الحالية، تشهد الجزيرة مراحل متقدمة من إنجاز مشروع تعصير ومضاعفة الطريق الرومانية (الطريق الجهوية رقم 117)، حيث بلغت نسبة تقدم الأشغال نحو 80% بكلفة مالية ناهزت 48 مليون دينار تونسي، وهو ما يمثل حلاً مرحلياً بانتظار الحسم الفني في مشروع الجسر الجديد.
مراحل الدراسة وخيارات المسارات المقترحة
أفضت الدراسة التي أُنجزت على مرحلتين متتاليتين؛ انطلقت الأولى في 13 سبتمبر 2021 بينما بدأت الثانية في 17 فيفري 2023، إلى حصر الخيارات الهندسية في مسارين اثنين (ب) و(د) من بين 6 مسارات قدمتها الدراسة الأولية، وذلك بعد موازنة دقيقة شملت 4 مجالات رئيسية: بيئية، واجتماعية، واقتصادية، وفنية.
ويتطابق المساران في الخطوط العريضة لبنيتهما التحتية؛ حيث يبلغ طول الجسر البحري فيهما 2.4 كيلومتر، مدعوماً بشبكة طرقات في منطقة أجيم على طول 14 كيلومتراً، وطرقات في منطقة الجرف على طول كيلومترين. كما تضمنت المقترحات تصاميم لمكونات الطرقات ونوعيتها بين تقليدية وجديدة، إلى جانب طرح 7 أنواع من الجسور ذات المواصفات الدولية التي تراعى الجوانب الجمالية ونظم الإنارة الخاصة بها.
التقديرات المالية للمسارات المطروحة
سلطت العروض الفنية الضوء بشكل مباشر على الكلفة المالية التقديرية المقدرة للمشروع بحسب طبيعة المسار المعتمد:
- كلفة المسار (ب): قُدّرت ميزانيته التنافسية لتتراوح بين 700 و930 مليون دينار تونسي.
- كلفة المسار (د): قُدّرت ميزانيته لتتراوح بين 900 مليون دينار و1100 مليون دينار تونسي، وتتضمن هذه الكلفة نسبة 6% خُصصت حصرياً لأعمال مراقبة جودة التنفيذ الهندسي.
وقد حظي المسار (د) بإجماع من المواطنين والخبراء في الجلسات السابقة بناءً على أفضليته البيئية. ويتيح المقترح الفني في كلا المسارين خيار بناء قنطرتين منفصلتين (واحدة للدخول وأخرى للخروج) أو الاكتفاء بقنطرة واحدة مشتركة.
المحددات الجيولوجية والبيئية المؤثرة في التكلفة
أوضح مكتب الدراسات أن صياغة هذه التقديرات الفنية والمالية محكومة بمعطيات ميدانية شديدة التعقيد تم رفعها عبر دراسات طوبوغرافية متخصصة وتحاليل مخبرية للتربة واليباب لتحديد سمك الطرق ونوعيتها. وشملت هذه المحددات:
- تفاوت أعماق البحر في منطقة الربط والتي تتراوح بين مترين و25 متراً.
- معايير سلامة المناطق الرطبة الحساسة وحركات المد والجزر وسريان المياه البحرية.
- تأثيرات الانحباس الحراري على المدى الطويل، والمعطيات الجيولوجية والجيوتقنية لقعر البحر.
- الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وحماية الآثار والمحيط الجمالي للجزيرة.
وفيما يتعلق بالتأثير البيئي الإنشائي، أكدت دراسة تأثير الدعامات التي سيرتكز عليها الجسر أن تأثيرها على البيئة البحرية وحركة المياه سيكون محدوداً وغير مؤثر بشكل كبير، نظراً لاعتماد مسافات متباعدة ومدروسة بين العمود والآخر.
ويأتي هذا الحسم الفني في وقت يجرى فيه إدراج المشروع ضمن التوجهات الهيكلية لمخطط التنمية الاستراتيجي (2026-2030)، بالتوازي مع تواصل أشغال مضاعفة الطريق الرومانية الحالية بنسبة تقدم ناهزت 80% وبكلفة 48 مليون دينار كحل مرحلي مؤقت.
