في الوقت الذي تواجه فيه تونس تحديات متزايدة في مجال الطاقة، يعود إلى الواجهة برنامج إصلاحي متكامل أعده وزير الطاقة الأسبق خالد قدور خلال توليه حقيبة الطاقة في حكومة يوسف الشاهد، قبل أن يغادر منصبه في أوت 2018، وهو برنامج لم يحظ بالمتابعة اللازمة ولم يدخل حيز التنفيذ.
ولم تقتصر رؤية السيد خالد قدور على مقترحات قطاعية، بل جاءت ضمن تصور استراتيجي شامل لمستقبل الاقتصاد التونسي، أعاد عرضه وتفصيله لاحقاً في كتاب أصدره سنة 2021 بعنوان « التحول الاستراتيجي لتونس… من المستقبل الذي لم يتحقق إلى المستقبل الممكن »، حيث خصص جانباً مهماً منه لإصلاح قطاع الطاقة والانتقال نحو الطاقات المتجددة.
رؤية سبقت التحولات العالمية
اعتمد البرنامج على اعتبار الطاقات المتجددة ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الطاقي، من خلال إطلاق استثمارات واسعة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتحرير المبادرة الخاصة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وجذب المستثمرين المحليين والأجانب، بما يسمح بتقليص الاعتماد على الغاز والمحروقات المستوردة.
وكان الهدف، وفق هذه الرؤية، تحويل تونس تدريجياً إلى منصة إقليمية للطاقة النظيفة، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومستويات الإشعاع الشمسي المرتفعة التي تتمتع بها.
لماذا لم يُنفذ البرنامج؟
ورغم إعداد هذه الرؤية خلال فترة حكومة يوسف الشاهد، فإنها لم تتحول إلى سياسة حكومية فعلية، إذ لم تحظ بالدعم السياسي الكافي، قبل أن يغادر بن قدور وزارة الطاقة في التعديل الوزاري الذي شهدته الحكومة في أوت 2018.
وبعد ثلاث سنوات، عاد الوزير الأسبق إلى هذا الملف في كتابه، مقدماً ما اعتبره خريطة طريق كان يمكن أن تضع تونس على مسار مختلف في مجال الطاقة والتنمية الاقتصادية.
بعد ثماني سنوات… هل تحققت المخاوف؟
اليوم، وبعد مرور نحو ثماني سنوات على مغادرة بن قدور الحكومة، تجد تونس نفسها أمام واقع طاقي معقد، يتمثل في ارتفاع العجز الطاقي، وتزايد الاعتماد على واردات الغاز، وارتفاع فاتورة الطاقة، فضلاً عن الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها الشبكة الكهربائية خلال موجات الحر.
ويرى عدد من الخبراء أن هذه المعطيات تعيد فتح النقاش حول الفرص التي أُهدرت خلال السنوات الماضية، وحول ما إذا كان تنفيذ البرنامج الذي اقترحه بن قدور كان سيخفف من حدة الأزمة التي يعيشها القطاع اليوم.
وثيقة تستحق إعادة القراءة
ومع احتدام النقاش حول الأمن الطاقي، تبرز وثيقة « التحول الاستراتيجي لتونس » بوصفها أكثر من مجرد كتاب، بل مشروع إصلاح متكامل يطرح رؤية طويلة المدى لمستقبل الاقتصاد والطاقة في تونس.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل آن الأوان لإعادة فتح هذا الملف والاستفادة من الأفكار التي تضمنتها الوثيقة، أم أن تونس ستواصل دفع كلفة سنوات التأخير في الانتقال نحو الطاقات المتجددة؟
خالد قدور.. مهندس الطاقة الذي جمع بين الخبرة النفطية والاستشراف الاستراتيجي
يُعدّ خالد قدور من أبرز الإطارات التونسية التي جمعت بين التكوين الأكاديمي في مجالات الطاقة والهيدروكربونات، والخبرة الدولية في إدارة المؤسسات النفطية، إلى جانب اهتمامه بمجال الاستشراف الاستراتيجي وصياغة الرؤى المستقبلية للدول والمنظمات.
مسار أكاديمي يجمع بين الطاقة والاستشراف
تحصل خالد قدور سنة 1981 على شهادة الهندسة في اختصاص إنتاج الهيدروكربونات، قبل أن يواصل تكوينه الأكاديمي في مجال إدارة شركات النفط، حيث نال سنة 1988 شهادة الماجستير في إدارة شركات النفط من مدرسة الدراسات العليا التجارية بكندا.
ولم يقتصر مساره العلمي على قطاع الطاقة، إذ توجه لاحقا إلى مجال الاستشراف والاستراتيجيات، حيث تحصل سنة 2005 على شهادة الدكتوراه من المعهد الوطني للفنون والحرف بباريس، بعد تقديم أطروحة حملت عنوان:
« تحليل استشرافي لنظام في مرحلة انتقالية: المستقبل الذي لم يكن من بين المستقبلات المحتملة إلى المستقبلات الممكنة – حالة تونس »
(Analyse prospective d’un système en transition : des futurs qui n’ont pas eu lieu aux futurs possibles – Le cas de la Tunisie).
وقد عكست هذه الأطروحة اهتمامه بدراسة التحولات الكبرى التي تعرفها الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومحاولة استشراف السيناريوهات المستقبلية لتونس.
خبرة دولية في مراكز الدراسات الاستراتيجية
خلال مسيرته المهنية، شارك خالد قدور في عدد من البرامج والدورات الدولية الموجهة إلى صانعي القرار.
فقد عمل سنة 1999 كمراجع حسابات ضمن الدورة الأوروبية المتوسطية الموجهة إلى المسؤولين وصناع القرار في الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة، والتي احتضنتها مدينة ميلانو الإيطالية.
وفي سنة 2001، التحق بمركز الدراسات الاستراتيجية لأفريقيا في العاصمة الأمريكية واشنطن، قبل أن يعمل سنة 2004 لدى مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة الدفاع الوطني الأمريكية في واشنطن.
كما كانت له تجربة مع معهد الدفاع الوطني في تونس سنة 2012.
وبين سنتي 2002 و2008، درّس مادة الاستشراف العام بالمدرسة الوطنية للإدارة بتونس، مساهما في تكوين عدد من الإطارات العليا في الإدارة التونسية.
مسيرة طويلة في قطاع الطاقة والنفط
بدأ خالد قدور مسارا بارزا داخل قطاع الطاقة، حيث عُيّن في أوت 2008 رئيسا مديرا عاما للشركة الإيطالية التونسية لاستغلال النفط.
وبعد الثورة، تم تعيينه سنة 2011 مديرا عاما للطاقة بوزارة الصناعة والطاقة والمناجم، وهو المنصب الذي جعله قريبا من الملفات الكبرى المتعلقة بالمحروقات، والاستثمارات الطاقية، والسياسات العمومية في هذا القطاع.
وبين سنتي 2012 و2017، شغل منصب نائب رئيس شركة الطاقة الإيطالية العملاقة إيني إحدى أكبر شركات الطاقة العالمية، حيث اكتسب خبرة دولية في إدارة المشاريع والاستثمارات النفطية والغازية.
من قصر الحكومة إلى وزارة الطاقة
على المستوى الإداري والسياسي، تم تكليف خالد قدور سنة 2006 بمهمة لدى الوزير الأول آنذاك محمد الغنوشي، كما شغل منصب المدير العام للإصلاحات والآفاق الإدارية بالوزارة الأولى.
وفي 6 سبتمبر 2017، عيّنه رئيس الحكومة يوسف الشاهد وزيرا للطاقة والمناجم والطاقات المتجددة ضمن حكومته، في فترة كانت فيها تونس تواجه تحديات مرتبطة بعجز الطاقة، وتراجع الإنتاج الوطني من المحروقات، والحاجة إلى تطوير الطاقات المتجددة وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وخلال توليه الوزارة، طرح خالد قدور رؤى وبرامج لتطوير قطاع الطاقة، خاصة في مجال الطاقات المتجددة، وتحسين الحوكمة، ودعم الاستثمار، غير أن فترة توليه المنصب انتهت بإقالته في أوت 2018 ضمن قرار شمل وزارة الطاقة وعددا من المسؤولين في القطاع.
جذور عائلية ونقابية
ينتمي خالد قدور إلى عائلة لها حضور في المشهد النقابي التونسي، فهو نجل حسين بن قدور، أحد أبرز النقابيين في تاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل.
وخالد قدور متزوج وأب لطفلين.
خلاصة المسار
يمثل خالد قدور نموذجا لإطار تونسي جمع بين الهندسة النفطية، والخبرة في المؤسسات العالمية، والبحث الأكاديمي في مجال الاستشراف، قبل أن ينتقل إلى العمل الحكومي وإدارة الملفات الطاقية في تونس. وقد ارتبط اسمه خصوصا بالنقاشات حول مستقبل الطاقة في تونس، وضرورة الانتقال من الاعتماد الكبير على المحروقات إلى نموذج أكثر تنوعا يقوم على الطاقات المتجددة والاستثمار طويل المدى.
