لم تعد أزمة الكهرباء في تونس تقتصر على الانقطاعات المتكررة للتيار أو الارتفاع المتواصل في واردات الغاز الطبيعي، بل تحولت إلى عنوان لأزمة هيكلية أعمق تتشابك فيها المسؤوليات الحكومية والتشريعية والإدارية والسياسية، وهي أزمة تراكمت تداعياتها على امتداد أكثر من عقد.
وفي الوقت الذي يستعد فيه مجلس نواب الشعب لاستدعاء الوزير المكلف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة للاستماع إليه بشأن اضطرابات التزود بالكهرباء، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن المساءلة نفسها: هل تتحمل الحكومة الحالية وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، أم أن البرلمان، باعتباره شريكًا في صياغة السياسات والتشريعات، مطالب هو الآخر بمراجعة دوره في الأزمة؟
عجز طاقي تضاعف أربع مرات
تكشف المعطيات الرسمية حجم التدهور الذي عرفه القطاع الطاقي خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفع العجز الطاقي من نحو 2.7 مليار دينار سنة 2016 إلى حوالي 11.1 مليار دينار مع موفى سنة 2025، ليشكل أكثر من نصف العجز التجاري للبلاد.
وفي المقابل، واصل إنتاج النفط والغاز تراجعه عامًا بعد آخر، بينما ازدادت تبعية تونس للأسواق الخارجية لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا المسار نتيجة حتمية لنضوب الموارد، أم أنه كان بالإمكان الحد منه عبر سياسات وتشريعات أكثر فاعلية.
البرلمان… شريك في صناعة القرار
ينص الفصل 17 من دستور 2022، كما كان الحال في الفصل 13 من دستور 2014، على أن الاتفاقيات المتعلقة باستغلال الثروات الطبيعية لا تصبح نافذة إلا بعد مصادقة مجلس نواب الشعب عليها.
ويشمل ذلك اتفاقيات الاستكشاف والاستغلال، وعقود اللزمات، وعددًا من المشاريع النفطية الكبرى، ما يجعل البرلمان شريكًا أساسيًا في رسم مستقبل القطاع، وليس مجرد جهة رقابية.
ويرى مختصون أن هذا المسار الدستوري، رغم أهميته في ضمان الرقابة والشفافية، تحول في عدد من الحالات إلى عامل إبطاء للاستثمارات، إذ تستغرق بعض الملفات أشهرًا طويلة قبل استكمال إجراءات المصادقة، في حين تعمل شركات النفط العالمية وفق جداول زمنية دقيقة، ما يجعل أي تأخير سببًا في إعادة توجيه الاستثمارات إلى دول أخرى أكثر سرعة في اتخاذ القرار.
إصلاحات مؤجلة منذ سنوات
على امتداد السنوات الماضية، تعهدت الحكومات المتعاقبة بإجراء إصلاحات عميقة في قطاع الطاقة، من بينها مراجعة مجلة المحروقات، وتحديث الإطار القانوني المنظم للطاقات المتجددة، وتبسيط إجراءات التراخيص، وتقليص آجال دراسة الملفات، وتحسين مناخ الاستثمار.
إلا أن معظم هذه الإصلاحات بقيت حبيسة الوعود أو لم تنفذ بالنسق الذي تفرضه التحديات التي يواجهها القطاع.
ويؤكد خبراء أن بطء الإصلاحات أفقد تونس جزءًا مهمًا من قدرتها على استقطاب الاستثمارات، خاصة في ظل منافسة متزايدة من دول متوسطية وإفريقية نجحت في تحديث منظوماتها القانونية وجذب شركات دولية كبرى.
مشاريع تعطلت… واستثمارات غادرت
يشير مهنيون إلى أن عدداً من اتفاقيات الاستكشاف والاستغلال بقيت لفترات طويلة داخل المسارات الإدارية والتشريعية قبل المصادقة عليها، وهو ما خلق حالة من الضبابية لدى المستثمرين.
وفي قطاع شديد التنافسية مثل قطاع النفط والغاز، قد يكون تأخير المشروع عدة أشهر كافيًا لتحويل الاستثمارات نحو وجهات أخرى أكثر استقرارًا وسرعة في اتخاذ القرار.
كما يستشهد مختصون بحالة رخصة الاستكشاف « سرسينة »، التي استغرق تجديدها فترة طويلة، وهو ما اعتُبر مؤشرًا إضافيًا على بطء الإجراءات.
المناخ السياسي… عامل طارد للاستثمار
لم يكن الجانب التشريعي وحده وراء تراجع الاستثمارات في القطاع.
فقد ساهمت، خلال السنوات الماضية، الحملات السياسية والشعبية، وعلى رأسها حملة « وينو البترول »، إلى جانب الدعوات المتكررة لتأميم الثروات الطبيعية، في رفع مستوى المخاطر السياسية في نظر المستثمرين، خاصة في ظل تزامنها مع نزاعات وتحكيمات دولية بين الدولة وعدد من الشركات الأجنبية.
ويشير خبراء إلى أن المستثمر لا يبحث فقط عن وجود احتياطات نفطية أو غازية، وإنما يقيم أيضًا استقرار البيئة القانونية والسياسية والإدارية قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
الجزائر وليبيا غيّرتا قواعد اللعبة
المفارقة أن دولاً مثل الجزائر وليبيا، التي كانت تُعرف تاريخيًا بسياسات أكثر تحفظًا في إدارة قطاع المحروقات، اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى مراجعة تشريعاتها وتقديم حوافز جديدة لاستقطاب المستثمرين، إدراكًا منها أن المنافسة الدولية على رؤوس الأموال أصبحت أكثر شراسة.
أما تونس، فما تزال تواجه صعوبات في تحديث منظومتها القانونية والإدارية بما يسمح باستعادة جاذبيتها الاستثمارية.
غياب الاستقرار الإداري
إلى جانب الإشكاليات التشريعية، يعاني القطاع من حالة عدم استقرار على مستوى القيادة والإدارة.
فخلال السنوات الأخيرة، تداول على وزارة الطاقة عدد كبير من الوزراء، وكثير منهم لم يكونوا مختصين في المجال، كما شهدت بعض الفترات غياب وزير أصيل يشرف على القطاع.
ولا تقتصر الأزمة على الوزارة، إذ يشير متابعون إلى أن الإدارة العامة للمحروقات بقيت دون مدير عام منذ نحو سنتين، كما لا يوجد مدير عام للكهرباء والطاقات المتجددة، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الإدارة على قيادة الملفات الإستراتيجية في ظرف بالغ الحساسية.
كما يرى مختصون أن حملات التشكيك وشيطنة العاملين في القطاع دفعت العديد من الكفاءات والخبرات إلى العزوف عن تحمل المسؤولية، خشية التعرض للملاحقات أو الحملات الإعلامية والسياسية.
الحكومة الحالية… هل تتحمل كامل المسؤولية؟
يرى مراقبون أن تحميل الحكومة الحالية وحدها مسؤولية الأزمة لا يعكس حقيقة الوضع، باعتبار أن الوزير المكلف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة لم يتول مهامه إلا في 27 أفريل 2026.
كما أعلنت الوزارة والمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية خلال سنة 2026 عن برنامج لحفر تسعة آبار جديدة بهدف رفع الإنتاج في أفق سنة 2030.
غير أن مثل هذه المشاريع تحتاج إلى سنوات قبل أن تنعكس نتائجها على الإنتاج، ولا يمكنها معالجة أزمة تراكمت أسبابها على امتداد أكثر من عشر سنوات.
من عشرين بئرًا إلى بئر واحدة… انهيار غير مسبوق
وتبرز خطورة الوضع أكثر عند النظر إلى مؤشرات نشاط الاستكشاف، الذي يمثل الركيزة الأساسية لضمان استدامة الإنتاج.
ففي سنة 2010 كانت تونس تحفر نحو 20 بئرًا استكشافية سنويًا، بينما لم يتجاوز العدد في سنة 2026 بئرًا استكشافية واحدة فقط.
كما تراجع عدد رخص البحث والاستكشاف من حوالي 54 رخصة سنة 2010 إلى نحو 14 رخصة حاليًا، في مؤشر يعكس الانكماش الكبير الذي عرفه القطاع.
وتشير بيانات إحصائية حديثة إلى أن عدد رخص البحث تقلص من 52 رخصة سنة 2010 إلى 12 رخصة فقط سنة 2026، فيما هبط عدد الآبار الاستكشافية من 19 بئرًا إلى بئر واحدة، كما انخفض عدد الآبار التطويرية من 17 بئرًا إلى بئر واحدة أيضًا.
أما الاكتشافات النفطية الجديدة، فقد تراجعت من ستة اكتشافات سنة 2010 إلى صفر اكتشاف خلال سنة 2026، وهو ما يعكس حالة الجمود التي يعيشها القطاع.
ويرى خبراء أن هذا التراجع الحاد لم يكن نتيجة عامل واحد، وإنما جاء نتيجة تراكم عدة عوامل، أبرزها بطء الإجراءات الإدارية والتشريعية، وتراجع جاذبية مناخ الاستثمار، وعدم استقرار الإطار القانوني، فضلاً عن المناخ السياسي الذي أثر سلبًا في قرارات الشركات الدولية.
الحوكمة… الحلقة الأضعف
وتربط تقارير متخصصة هذا التراجع المتواصل بجملة من العوامل الهيكلية، من بينها تعقد الإجراءات منذ صدور دستور 2014، وضعف الحوكمة، وغياب رؤية إستراتيجية مستقرة لإدارة القطاع.
كما ساهم عدم الاستقرار الحكومي في تعميق الأزمة، إذ تعاقب على الوزارة المكلفة بالطاقة منذ سنة 2010 وحتى سنة 2026 ما لا يقل عن 17 وزيرًا، وهو ما حال دون استمرارية السياسات والبرامج، وأدى إلى تشتت القرار وتأجيل العديد من الإصلاحات الضرورية.
مساءلة الوزير… أم مراجعة المنظومة بأكملها؟
لا شك أن مساءلة الوزير تمثل حقًا دستوريًا أصيلًا لمجلس نواب الشعب، لكنها تبقى غير كافية إذا اقتصرت على البحث عن مسؤولية ظرفية.
فالواقع يؤكد أن أزمة الطاقة في تونس ليست نتاج حكومة واحدة أو وزير واحد، وإنما حصيلة تراكمات سياسية وتشريعية وإدارية امتدت على مدى أكثر من عقد، شاركت فيها الحكومات المتعاقبة، كما كان للبرلمان دور في مسار التشريعات والمصادقة على الاتفاقيات المنظمة للقطاع.
ومن ثم، فإن معالجة الأزمة تقتضي مراجعة شاملة للسياسات العمومية، وتسريع الإصلاحات التشريعية، وتعزيز استقرار الإدارة، وتحسين مناخ الاستثمار، بما يعيد الثقة للمستثمرين ويضمن الأمن الطاقي للبلاد.
ويبقى السؤال الأهم: هل سيكتفي البرلمان بمساءلة الوزير حول انقطاعات الكهرباء، أم يفتح أيضًا نقاشًا صريحًا حول مسؤوليته في تأخر الإصلاحات، وبطء المصادقة على المشاريع، والسياسات التي ساهمت في وصول قطاع الطاقة إلى هذه المرحلة الحرجة؟
قد تكون الإجابة عن هذا السؤال هي البداية الحقيقية لوضع القطاع على مسار الإصلاح، بعيدًا عن تبادل الاتهامات، وفي اتجاه بناء سياسة طاقية أكثر استقرارًا واستدامة.
