في السنوات الأخيرة، برز سؤال يبدو بسيطاً لكنه يخفي وراءه تحوّلاً عميقاً في علاقتنا بالمعلومة: هل يستطيع صُنّاع المحتوى أن يحلّوا محل الصحفيين المحترفين؟
السؤال لم يعد افتراضياً. فالهاتف أصبح كاميرا، ومنصة التواصل أصبحت منبراً، وعدد المتابعين صار في كثير من الأحيان معياراً للشهرة والتأثير، حتى بدا أحياناً أن الصحفي الذي أمضى سنوات في تعلم المهنة والتحقق من المعلومات ومقابلة المصادر ومراجعة الوثائق، أصبح ينافس شخصاً يستطيع أن يصور مقطعاً مدته دقيقة ويصل به إلى مئات الآلاف.
لكن هنا تحديداً يقع الخلط الكبير: الوصول إلى الجمهور ليس هو الصحافة، والقدرة على صناعة المشاهدة ليست هي القدرة على صناعة المعلومة.
الصحافة ليست مجرد نقل ما يحدث
الصحافة مهنة لها قواعدها وأخلاقياتها وأدواتها.
الصحفي المحترف لا يفترض أن يكتفي بأن يقول للجمهور: «هذا ما حدث». بل عليه أن يسأل: كيف حدث؟ ولماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وما مصدر هذه المعلومة؟ وهل يمكن التحقق منها؟ وما الرواية المقابلة؟ وما الذي ينقص الصورة؟
قد تكون المعلومة التي ينقلها الصحفي أقل إثارة من مقطع على وسائل التواصل، لكنها تخضع ــ في الصحافة المهنية ــ لسلسلة من الأسئلة والتحققات قبل أن تصل إلى القارئ.
وهنا يكمن الفرق الأساسي.
صانع المحتوى يصنع مادة قابلة للاستهلاك، أما الصحفي فيفترض أن يصنع مادة قابلة للتحقق.
وقد تجتمع الوظيفتان أحياناً في شخص واحد، لكنهما ليستا الشيء نفسه.
صحافة الاختصاص: عندما تصبح المعرفة جزءاً من المهنة
هناك جانب آخر يزداد أهمية اليوم، وهو صحافة الاختصاص.
الصحفي الاقتصادي ليس مجرد شخص يتحدث عن الاقتصاد، والصحفي القانوني ليس مجرد شخص يقرأ قراراً قضائياً، والصحفي الصحي لا يكتفي بنقل تصريح طبيب، والصحفي السياسي لا يقتصر دوره على إعادة نشر تصريحات السياسيين.
صحافة الاختصاص تعني امتلاك القدرة على قراءة الأرقام والوثائق والقوانين والتقارير، وفهم المصطلحات، ومعرفة السياق، والتمييز بين ما هو مؤكد وما هو مجرد ادعاء.
وهذا أمر لا يمكن اختزاله في عدد المتابعين.
فحين يتعلق الأمر مثلاً بقرار اقتصادي، قد يكون عنوان مثير قادراً على جذب مئات الآلاف من المشاهدات، لكن فهم تأثير القرار على المالية العمومية أو التضخم أو القدرة الشرائية يحتاج إلى معرفة متخصصة.
وحين يتعلق الأمر بملف قضائي، فإن جملة واحدة مبتورة من قرار قضائي يمكن أن تقلب معنى القضية بالكامل.
وحين يتعلق الأمر بالصحة، يمكن لمعلومة غير دقيقة أن تتحول من مجرد خطأ صحفي إلى ضرر حقيقي على المتلقي.
لهذا فإن الصحافة المتخصصة ليست ترفاً، بل خط دفاع أول في مواجهة التضليل.
الجمهور ليس مجرد «مستهلك»
من أخطر التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية أن الجمهور أصبح يُعامل في كثير من الأحيان باعتباره «مستهلكاً للمحتوى».
المعيار يصبح: كم مشاهدة؟ كم إعجاباً؟ كم تعليقاً؟ كم مشاركة؟
وهنا قد تنقلب الأولويات.
فالمعلومة الدقيقة تحتاج أحياناً إلى وقت للبحث والتحقق، بينما المعلومة المثيرة يمكن إنتاجها في دقائق.
القصة المعقدة تحتاج إلى شرح وسياق، بينما القصة المبسطة والمشحونة عاطفياً تنتشر أسرع.
والخبر الذي يقول «لا نعرف بعد» أقل جاذبية من خبر يقول «الحقيقة هي…»، حتى عندما تكون الحقيقة لم تتضح بعد.
وهكذا تنشأ مشكلة جوهرية: الخوارزمية تكافئ الانتباه، بينما الصحافة المهنية يفترض أن تكافئ الدقة.
الزبد يطفو… لكن ليس كل ما يطفو غذاءً
يمكن استعارة صورة «الزبد» لفهم جزء من ظاهرة صناعة المحتوى.
الزبد هو ما يطفو على السطح ويجذب العين، لكنه ليس بالضرورة هو المادة الأكثر قيمة في العمق.
وهذا لا يعني أن كل صانع محتوى سطحي أو مضلل؛ فهناك صناع محتوى يقدمون أعمالاً جادة ومعلومات مفيدة، وبعضهم يمتلك خبرة حقيقية وقدرة ممتازة على تبسيط المعرفة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتشار بديلاً عن التخصص، والشهرة بديلاً عن المصداقية، والثقة الشخصية بديلاً عن التحقق.
صانع المحتوى يستطيع أن يقول: «أنا أعتقد»، وهذا حقه.
أما الصحفي، فعليه أن يكون قادراً على الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة: «ما مصدرك؟»
صناعة المحتوى ليست بريئة دائماً من المصالح
هناك أيضاً مسألة لا ينبغي تجاهلها: جزء مهم من صناعة المحتوى قائم أصلاً على التأثير والإقناع والتسويق.
الإعلان، والرعاية، وبناء الصورة الشخصية، والترويج للمنتجات والأفكار، كلها يمكن أن تدخل في نموذج عمل صانع المحتوى.
وهذا ليس عيباً في حد ذاته، لكنه يصبح خطيراً عندما تختفي الحدود بين الإعلان والمعلومة، وبين الرأي والخبر، وبين الترويج والحقيقة.
المشكلة ليست في أن يكون لصانع المحتوى رأي أو موقف، وإنما في أن يقدم رأيه على أنه حقيقة محايدة، أو أن يقدم مادة دعائية في شكل معلومة، أو أن يستعمل ثقة الجمهور به لإقناعه بشيء لم يخضع للتحقق.
هنا يصبح المتلقي هو الحلقة الأضعف.
الصحفي لا يملك الحقيقة… لكنه يملك واجب البحث عنها
الصحافة المهنية ليست مؤسسة معصومة من الخطأ.
الصحفيون يخطئون، والمؤسسات الإعلامية تخطئ، وقد تقع أخطاء بسبب السرعة أو سوء التقدير أو ضعف المصادر.
لكن الفارق المهم هو أن الصحافة المهنية قامت تاريخياً على وجود معايير للمساءلة والتصحيح.
إذا أخطأ الصحفي، يمكن سؤالُه عن مصدره.
وإذا نشرت المؤسسة خبراً خاطئاً، يمكن مطالبتها بالتصحيح.
أما في فضاء المحتوى الشخصي، فقد تنتشر المعلومة الخاطئة بسرعة هائلة، ثم تختفي الصفحة أو يحذف المنشور أو ينتقل صاحبه إلى قصة جديدة، بينما تبقى المعلومة الكاذبة في ذاكرة الجمهور ومحركات البحث والمنصات.
وهذه إحدى أخطر مشكلات عصرنا: المعلومة الكاذبة قد تعيش أطول من صاحبها.
هل يعني ذلك أن صناع المحتوى لا مكان لهم؟
بالعكس.
صانع المحتوى يمكن أن يكون شريكاً مهماً للصحافة، لا بديلاً عنها.
يمكنه تبسيط تحقيق صحفي طويل، شرح قانون معقد، تحويل البيانات إلى مادة سهلة الفهم، أو الوصول إلى فئات من الجمهور لا تصل إليها الصحف التقليدية.
بل إن الصحفي نفسه يستطيع أن يصبح صانع محتوى من دون أن يتخلى عن قواعد مهنته.
المشكلة ليست في الكاميرا، ولا في الهاتف، ولا في تيك توك، ولا في فيسبوك، ولا في يوتيوب.
المشكلة في التخلي عن المعايير.
يمكن للصحفي أن يستخدم كل أدوات صانع المحتوى، لكن عليه أن يحتفظ بما يميز الصحافة عن صناعة المشاهدة: التحقق، والاستقلالية، والسياق، والتوازن، والمساءلة، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والادعاء.
المعركة الحقيقية ليست بين الصحفي وصانع المحتوى
ربما يكون من الخطأ اختزال المسألة في صراع بين فئتين.
المعركة الحقيقية اليوم هي بين المعلومة والتحريف، وبين التحقق والسرعة، وبين المعرفة والتأثير، وبين المحتوى الذي يخدم الجمهور والمحتوى الذي يستعمل الجمهور لتحقيق غاية أخرى.
صانع المحتوى الجاد ليس عدواً للصحافة.
والصحفي الذي يرفض فهم المنصات الجديدة يضعف مهنته بنفسه.
لكن الخطر يبدأ عندما نتصور أن عدد المتابعين يمكن أن يمنح صاحبه تلقائياً صفة الخبير، وأن كثرة المشاهدات يمكن أن تتحول إلى شهادة جودة، وأن قدرة الشخص على التأثير في الجمهور تعني بالضرورة قدرته على تقديم الحقيقة له.
المتابعون لا يصنعون صحفياً، كما أن الكاميرا لا تصنع صحافة.
الصحافة في جوهرها مسؤولية قبل أن تكون مهنة، والتحقق قبل أن يكون انتشاراً، ومعرفة قبل أن يكون حضوراً، ومساءلة قبل أن يكون تأثيراً.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلى ملايين الناس خلال ثوانٍ، لم تعد الحاجة إلى الصحفي المحترف أقل من الماضي.
بل ربما أصبحت أكبر.
لأن المشكلة لم تعد في ندرة المعلومات.
المشكلة أن الجمهور غارق في المعلومات، ولا يعرف دائماً أيّها يستحق أن يصدقه.



