الرئيسيةآخر الأخبارتحليل أمريكي: تونس تملك ورقة الفوسفات التي تبحث عنها واشنطن.. لكن الإنتاج...

تحليل أمريكي: تونس تملك ورقة الفوسفات التي تبحث عنها واشنطن.. لكن الإنتاج المتعثر يهدد بضياع الفرصة

لم يعد مشروع القصعات للفوسفات في ولاية القصرين مجرد مشروع تعدين تقوده شركة أسترالية في تونس، بل بدأ يكتسب بعداً دولياً أوسع مع دخول الولايات المتحدة على خط تمويل المشروع والسعي إلى جذب رأس مال أمريكي إليه.

ويأتي هذا التطور في توقيت بالغ الأهمية، بعدما بدأت واشنطن تنظر إلى الفوسفات والأسمدة باعتبارهما جزءاً من أمنها الغذائي وسلاسل إمدادها الاستراتيجية، في ظل تراجع صادرات الصين من الفوسفات والبحث عن مصادر أكثر تنوعاً وأماناً.

وهنا تبرز تونس، التي تمتلك احتياطيات ضخمة من الفوسفات، ولكنها لم تتمكن خلال السنوات الماضية من استغلالها بالقدر الذي يتناسب مع إمكاناتها.

من أستراليا إلى القصرين.. ثم واشنطن

يتولى الجانب الأسترالي تطوير مشروع الفوسفات في القصعات بالقصرين، في إطار استراتيجية شركة فوسكو لتطوير موارد الفوسفات التونسية وإنشاء قاعدة إنتاج قادرة على خدمة أسواق الأسمدة العالمية.

والتطور الجديد أن الحكومة الأمريكية فتحت مساراً لتعبئة أكثر من 100 مليون دولار من رأس المال الخاص الأمريكي لدعم المشروع، مع استهداف مشاركة أمريكية يمكن أن تتراوح بين 30 و40 بالمائة في شركة فوسكو.

لكن من المهم التوضيح أن ذلك لا يعني أن شركة أمريكية أصبحت بالفعل مالكاً لحصة في المشروع؛ فالمعلن هو برنامج يستهدف جذب الاستثمار الأمريكي، وليس إعلاناً عن إتمام صفقة استحواذ.

ومع ذلك، فإن مجرد انتقال المشروع إلى دائرة التمويل والاستثمار الأمريكي يمنحه وزناً جيوسياسياً مختلفاً.

لماذا القصعات؟ ولماذا الآن؟

التوقيت ليس عادياً.

ففي الوقت الذي تبحث فيه الولايات المتحدة عن بدائل أكثر أماناً لمصادر الأسمدة، تعود تونس إلى خريطة الاهتمام الدولي بفضل احتياطياتها الفوسفاتية وموقعها الجغرافي القريب من أوروبا.

وتقدر الدراسة التي نشرها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى احتياطات تونس من الفوسفات بنحو 2.5 مليار طن متري، لكنها تشير إلى أن الإنتاج التونسي بقي دون إمكاناته نتيجة ضعف الاستثمار والاضطرابات العمالية والتقلبات السياسية.

وتطرح الدراسة تونس والمغرب باعتبارهما عنصرين يمكن أن يسهما في تنويع مصادر الفوسفات والأسمدة بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

الدراسة الأصلية لمعهد واشنطن – The Phosphate Pivot

واشنطن لا تبحث عن المغرب وحده

المغرب يحتفظ بأفضلية هائلة في هذه المعادلة بفضل احتياطياته الكبيرة وقدرات مجموعة المكتب الشريف للفوسفات في استخراج الخام ومعالجته وتحويله إلى أسمدة.

لكن الدراسة الأمريكية لا تقترح أن تحل تونس محل المغرب.

الفكرة مختلفة: المغرب يمكن أن يمثل القاعدة الصناعية الرئيسية، فيما توفر تونس مصدراً إضافياً وموقعاً متوسطياً مهماً ضمن شبكة أكثر تنوعاً.

وهذه النقطة بالذات تجعل مشروع القصعات مهماً.

فإذا نجح المشروع في الانتقال من مرحلة التطوير إلى الإنتاج الصناعي، يمكن أن يصبح أحد العناصر التي تمنح تونس موقعاً جديداً في سلسلة إمداد الفوسفات والأسمدة الموجهة إلى الأسواق العالمية.

الفوسفات لم يعد مجرد سلعة

التحول في النظرة الأمريكية إلى الفوسفات يرتبط بما شهدته السوق العالمية خلال السنوات الأخيرة.

فالصين، إحدى القوى الرئيسية في سوق الفوسفات والأسمدة، قلصت صادراتها بصورة كبيرة، ما أثار مخاوف لدى الدول المستوردة بشأن أمن الإمدادات.

وفي واشنطن، أخذ الملف بعداً أكبر من مجرد الأسعار والتجارة.

الفوسفات يدخل في صناعة الأسمدة، والأسمدة ترتبط مباشرة بالإنتاج الزراعي، وبالتالي بالأمن الغذائي.

ولهذا بدأت الولايات المتحدة تنظر إلى تأمين مصادر الفوسفات باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لتقليل مخاطر سلاسل الإمداد.

وهنا تصبح تونس ذات أهمية مختلفة.

من احتياطي تونسي إلى مصلحة أمريكية

اللافت في التحليل الأمريكي أن تونس لا تُطرح باعتبارها مجرد دولة تملك احتياطات فوسفاتية، بل باعتبارها جزءاً محتملاً من شبكة إمداد جديدة.

وهذا ما يجعل مشروع القصعات أكثر من مشروع تعدين محلي.

فالمعادلة الجديدة تجمع بين:

مورد تونسي موجود في باطن الأرض، وشركة أسترالية تبحث عن تطويره، ورأس مال أمريكي تسعى واشنطن إلى تعبئته، وسوق عالمية تبحث عن مصادر بديلة للأسمدة.

وإذا تحققت هذه المعادلة، فإن القصرين قد تجد نفسها مرتبطة مباشرة بتحولات جيوسياسية تتجاوز حدود تونس.

فرصة للقصرين أم مجرد استخراج جديد؟

بالنسبة إلى تونس، يبقى السؤال الأهم هو: ماذا ستكسب البلاد من هذه التحولات؟

فالقصرين تحتاج إلى استثمارات ومشاريع صناعية وفرص عمل، لكن تجربة الفوسفات التونسي خلال العقود الماضية أظهرت أن استخراج الثروة لا يكفي وحده لتحقيق التنمية المحلية.

القيمة الأكبر توجد في المعالجة والتحويل والتصنيع.

ولهذا فإن نجاح مشروع القصعات لن يقاس فقط بعدد أطنان الفوسفات التي يمكن استخراجها، وإنما بقدرة تونس على إقامة سلسلة صناعية مرتبطة به، من الاستخراج إلى المعالجة ثم إنتاج الأسمدة ومشتقات الفوسفات، مع خلق فرص عمل محلية وتحسين البنية التحتية والنقل والطاقة.

تونس أمام نافذة استراتيجية

المفارقة أن تونس تمتلك منذ عقود أحد أهم الموارد التي يحتاجها العالم، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من وزنها في سوق الفوسفات بسبب تراجع الإنتاج والاستثمار وتعطل النشاط في الحوض المنجمي.

واليوم، في الوقت الذي تعيد فيه الولايات المتحدة ترتيب حساباتها بشأن الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، تظهر مشاريع جديدة مثل القصعات لتفتح نافذة مختلفة.

لكن هذه النافذة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد.

فالمغرب يتحرك بسرعة، وشركات التعدين العالمية تبحث عن مشاريع جديدة، والولايات المتحدة تريد تنويع مصادرها، والأسواق الأوروبية تبحث بدورها عن إمدادات أكثر أمناً.

المشكلة بالنسبة إلى تونس ليست في امتلاك الفوسفات، وإنما في قدرتها على تحويله إلى قوة اقتصادية وصناعية.

القصرين على خريطة جديدة

إذا نجح مشروع القصعات في الوصول إلى مرحلة الإنتاج، وإذا تحولت الرغبة الأمريكية في الاستثمار إلى مشاركة فعلية، فإن القصرين ستجد نفسها في قلب شبكة دولية تضم تونس وأستراليا والولايات المتحدة، في قطاع أصبح مرتبطاً بالأمن الغذائي العالمي.

وهنا قد تكون المفارقة الأكبر:

ثروة كانت تونس تتعامل معها لعقود باعتبارها مورداً تقليدياً، بدأت تتحول في واشنطن إلى مادة استراتيجية.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: كم فوسفات يوجد في القصعات؟

بل: هل تستطيع تونس أن تستفيد من السباق الدولي الجديد على الفوسفات، أم تظل مجرد بلد يستخرج الخام فيما تُصنع القيمة الحقيقية خارج حدوده؟

https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/phosphate-pivot-why-morocco-and-tunisia-matter-us-food-security?utm_source=chatgpt.com

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى