لم يعد الحديث عن النفط عند مستوى 100 دولار للبرميل مجرد فرضية بعيدة عن الواقع. فقد تجاوز خام برنت،أمس الأربعاء، عتبة 100 دولار للمرة الأولى منذ أسابيع، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف بشأن سلامة إمدادات النفط عبر المنطقة.
وفي خضم هذه التطورات، برز سيناريو أكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى الدول المستوردة للطاقة، وهو وصول سعر برميل برنت إلى 120 دولاراً، وهو المستوى الذي حذر منه بنك غولدمان ساكس في حال استمرار الهجمات على حركة الشحن وتفاقم اضطرابات الإمدادات في المنطقة.
وبالنسبة إلى تونس، تكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة لأن ميزانية الدولة لسنة 2026 أُعدت على أساس سعر مرجعي للنفط في حدود 63.3 دولاراً للبرميل.
ماذا يعني النفط عند 120 دولاراً بالنسبة إلى تونس؟
الانتقال من 63.3 دولاراً إلى 120 دولاراً يعني زيادة قدرها 56.7 دولاراً في سعر البرميل، أي ما يقارب 90 في المائة فوق الفرضية التي قامت عليها الميزانية.
وتشير تقديرات اقتصادية تونسية إلى أن كل ارتفاع إضافي بدولار واحد في سعر النفط يمكن أن يرفع كلفة الطاقة على تونس بنحو 160 مليون دينار سنوياً.
وباعتماد هذه الفرضية الحسابية، فإن وصول النفط إلى 120 دولاراً يمكن أن يعني ضغطاً إضافياً في حدود 9 مليارات دينار سنوياً على المالية العمومية إذا استقر السعر عند هذا المستوى طوال السنة.
وهذا الرقم ليس فاتورة رسمية ولا توقعاً حكومياً، وإنما محاكاة نظرية تفترض استمرار السعر المرتفع لمدة عام وعدم تغير بقية المتغيرات، وفي مقدمتها سعر صرف الدينار وحجم الاستهلاك والإنتاج المحلي وأسعار المنتجات المكررة.
البنزين هو الجزء الظاهر فقط من المشكلة
قد يكون المستهلك أول من يشعر بالصدمة إذا ارتفعت أسعار النفط، لكن الكلفة الحقيقية بالنسبة إلى تونس أوسع بكثير من سعر لتر البنزين.
فالدولة تواجه عند ارتفاع النفط ضغطاً متزامناً على فاتورة واردات الطاقة وعلى ميزان التجارة وعلى احتياطي العملة الأجنبية، فضلاً عن فاتورة دعم المحروقات إذا اختارت الإبقاء على الأسعار المحلية دون تعديل.
ولهذا فإن استمرار سعر البنزين عند مستواه الحالي في وقت تقفز فيه كلفة النفط عالمياً يعني أن جزءاً أكبر من الفارق ستتحمله الدولة.
أما القول بأن سعر النفط عند 120 دولاراً سيضيف بصورة آلية نحو 0.95 دينار إلى كلفة لتر البنزين، فهو تقدير افتراضي يحتاج إلى جملة من المعطيات الفنية والمالية، ولا يمكن اعتباره سعراً نهائياً أو زيادة مؤكدة للمستهلك.
هل فعلاً يمكن أن يصل النفط إلى 120 دولاراً؟
120 دولاراً ليس التوقع الأساسي الحالي للسوق. فقد رفعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية توقعها لمتوسط سعر برنت في 2026 إلى نحو 91 دولاراً للبرميل، رغم أنها تتوقع استمرار اضطرابات الإمدادات وتراجع المخزونات العالمية.
لكن في المقابل، أصبح سيناريو 120 دولاراً مطروحاً بصورة جدية في تحليلات المؤسسات المالية.
فـ«غولدمان ساكس» حذر من إمكانية وصول برنت إلى 120 دولاراً إذا تصاعدت الهجمات على السفن واستمرت اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط، بينما يرى السيناريو الأساسي للبنك سعراً أقل بكثير، في حدود 85 دولاراً لنهاية 2026.
كما أن أسواق التوقعات لا تعطي احتمالاً مساوياً بين بلوغ النفط 120 دولاراً وبين بقائه دون هذا المستوى. وتشير أحدث بيانات أحد أسواق التوقعات إلى احتمال يقارب 26 في المائة لتجاوز خام غرب تكساس 120 دولاراً قبل نهاية 2026. وهذا الرقم لا يمثل احتمالاً رسمياً لبلوغ برنت 120 دولاراً، لكنه يعطي فكرة عن حجم المخاطر التي بدأت الأسواق تسعّرها.
وبعبارة أبسط: احتمال 120 دولاراً موجود، لكنه ليس السيناريو المرجح حالياً.
المشكلة بالنسبة إلى تونس تبدأ قبل 120 دولاراً
بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي، قد لا تحتاج أسعار النفط إلى بلوغ 120 دولاراً حتى تظهر آثار قوية.
فالانتقال من فرضية الميزانية البالغة 63.3 دولاراً إلى مستويات 90 أو 100 دولار يعني في حد ذاته فارقاً كبيراً في كلفة الطاقة.
ومع تجاوز برنت بالفعل مستوى 100 دولار اليوم، أصبحت تونس أمام سيناريو مختلف تماماً عن الفرضية التي بُنيت عليها ميزانية 2026. وقد ارتفع برنت إلى نحو 101.21 دولاراً اليوم، مدفوعاً بتصاعد المخاطر الجيوسياسية واضطراب الإمدادات.
وهنا تكمن المفارقة: الخطر الأكبر على تونس ليس بالضرورة أن يصل النفط إلى 120 دولاراً، وإنما أن يبقى طويلاً عند مستويات تفوق بكثير السعر الذي أُعدت على أساسه الميزانية.
فكلما طال أمد الأسعار المرتفعة، زاد الضغط على الدعم والمالية العمومية والميزان التجاري والعملة الأجنبية، وتحولت أزمة الطاقة العالمية تدريجياً إلى مشكلة مالية داخلية.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يهم تونس الآن ليس فقط: هل سيصل النفط إلى 120 دولاراً؟
بل السؤال الأصعب هو: ماذا سيحدث للمالية العمومية إذا بقي النفط فوق 90 أو 100 دولار لعدة أشهر؟
***احتمال وصول النفط إلى 120 دولاراً هو «26%»؛ لأن الرقم المتاح يتعلق بـخام غرب تكساس قبل نهاية 2026 وليس ببرنت تحديداً. أما برنت، فالمتاح حالياً هو سيناريو غولدمان ساكس البالغ 120 دولاراً في حالة تفاقم اضطرابات الشحن والإمدادات، وليس توقعاً أساسياً.
