في جنوب تونس، حيث تصل جثث المهاجرين الغرقى إلى الشواطئ محمولة بالتيارات البحرية، اختار الفنان الجزائري رشيد قريشي أن يمنح الموتى الذين لم تُعرف هوياتهم مكاناً يليق بإنسانيتهم. «حديقة إفريقيا» في جرجيس تحولت إلى مقبرة تحتضن ضحايا رحلة الموت نحو أوروبا.
في مدينة جرجيس، جنوب شرقي تونس، وعلى مقربة من الحدود الليبية، افتُتحت في جوان 2021 مقبرة استثنائية حملت اسم «حديقة إفريقيا»، خُصصت لدفن المهاجرين الذين لقوا حتفهم في البحر المتوسط أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا.
المشروع أنجزه الفنان رشيد قريشي، الذي اشترى قطعة الأرض سنة 2018 ومول المشروع، بهدف توفير مكان دفن كريم لعشرات الجثامين التي تصل إلى سواحل الجنوب التونسي بعد غرق قوارب المهاجرين.
وقال قريشي لصحيفة لوطون السويسرية إن هؤلاء الموتى هم من وصفهم بـ«المحكوم عليهم بالبحر»، بعدما واجهوا خلال رحلتهم الصحراء والعصابات والإرهاب والتعذيب، قبل أن تنتهي رحلتهم في مياه المتوسط.

200 قبر تنتظر ضحايا البحر
تضم «حديقة إفريقيا» نحو 200 قبر أبيض مرقّم، إضافة إلى قاعة للصلاة تحت قبة بيضاء، ومساحات مزروعة بالأشجار والنباتات العطرية.
وصُممت المقبرة بطريقة تحمل رموزاً دينية وإنسانية متعددة؛ إذ زرعت فيها خمسة أشجار زيتون ترمز إلى أركان الإسلام، و12 شجرة كروم ترمز إلى الحواريين في المسيحية، بينما تجمع قاعة الصلاة بين مختلف الأديان.
لكن خلف جمال المكان تختبئ مأساة إنسانية قاسية.
فالجثامين التي تصل إلى شواطئ جرجيس تكون في أحيان كثيرة في حالة تحلل متقدمة، بعد أن قضت أياماً في البحر، فيما يبقى تحديد هويات أصحابها من أصعب المهام التي تواجه السلطات والمنظمات المعنية.
ولهذا أُنشئت داخل الموقع مبانٍ مخصصة لتسهيل عمليات التشريح والتعرف على الجثامين، بعدما كانت هذه العمليات تُجرى في مستشفى قابس، على مسافة نحو 140 كيلومتراً من جرجيس.

أكثر من ألف جثمان دُفنت في جرجيس
لم تكن «حديقة إفريقيا» سوى استجابة لمشكلة أصبحت مزمنة في المدينة.
فمنذ بداية الألفية، تولت بلدية جرجيس دفن أكثر من ألف جثمان لمهاجرين قدموا من بلدان إفريقية وآسيوية، إضافة إلى جثامين أخرى عُثر عليها في المنطقة.
«حين نراهم نرى أبناءنا»
اختصر رئيس بلدية جرجيس آنذاك، مكي لعريض، المأساة في عبارة مؤثرة، قائلاً إن العديد من شباب جرجيس غادروا أيضاً نحو أوروبا عبر البحر، وسقط منهم ضحايا.
وأضاف، في وصفه للمهاجرين الذين تصل جثامينهم إلى المدينة: «عندما نراهم، نرى أبناءنا».
وبالنسبة إلى قريشي، لم يكن المشروع مجرد مقبرة، بل مكاناً يمكن للعائلات أن تجد فيه قبراً لائقاً لأبنائها حتى عندما يتعذر نقل الجثمان إلى وطنه الأصلي.
وفي إحدى الحالات، تمكنت عائلة ليبية من التعرف إلى جثمان شاب بعد أن أدلى رفاقه في الرحلة بمعلومات ساعدت على تحديد هويته. وعندما عُرض على أسرته نقل الجثمان إلى ليبيا، اختار والده أن يبقى ابنه مدفوناً في جرجيس.
«قبر الجندي المجهول» لضحايا الهجرة
أراد الفنان أن تكون «حديقة إفريقيا» أيضاً نصباً رمزياً لمأساة الهجرة عبر المتوسط، على غرار فكرة قبر الجندي المجهول.
فالمقبرة لا تحتضن فقط أشخاصاً مجهولي الهوية، وإنما تختصر مأساة آلاف الأشخاص الذين اختفوا في البحر دون أن تتمكن عائلاتهم من معرفة مصيرهم.
وفي يونيو 2021، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن منظمة الأمم المتحدة أن أكثر من 21 ألف مهاجر ولاجئ لقوا حتفهم في البحر المتوسط منذ 2014.
وبحلول 7 يونيو من العام نفسه، كانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد أحصت ما لا يقل عن 784 وفاة منذ بداية 2021 خلال محاولات عبور المتوسط، مقابل نحو 1400 وفاة خلال كامل سنة 2020.
من البحر إلى المقبرة… ومن المجهول إلى ذاكرة المكان
أراد رشيد قريشي أن يمنح هؤلاء الموتى شيئاً حُرموا منه في حياتهم وفي لحظة موتهم: الاسم والكرامة والذاكرة.
ففي المتوسط، قد تختفي جثامين المهاجرين دون أن يعرف أحد مصير أصحابها. أما في جرجيس، فقد أصبح لهم مكان يمكن أن تُزار فيه قبورهم، حتى لو بقيت هويات عدد كبير منهم مجهولة.
وهكذا تحولت «حديقة إفريقيا» إلى شاهد دائم على الوجه الأكثر مأساوية لأزمة الهجرة في المتوسط: مئات الآلاف يحاولون الوصول إلى أوروبا، فيما يصل بعضهم إلى الشواطئ التونسية لا كمسافرين، بل كجثامين تبحث عن قبر.