لم يكن إعلان وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، أمس، عن نتائج الجولة السادسة من نظام التراخيص الخاصة بمشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية مجرد رقم إداري جديد يضاف إلى سجلات الانتقال الطاقي في تونس.
فوراء 309 مطالب مقبولة بقدرة جملية تناهز 455 ميغاواط توجد رسالة اقتصادية وسياسية واضحة: تونس التي عاشت خلال صيف 2026 واحدة من أصعب فترات الضغط على منظومتها الكهربائية، تجد نفسها مضطرة إلى تسريع الانتقال من اقتصاد طاقي يعتمد بدرجة كبيرة على المصادر التقليدية والاستيراد إلى منظومة تفتح المجال تدريجياً أمام الاستثمار الخاص والطاقة الشمسية.
والمهم في الإعلان الأخير أن الأمر لا يتعلق بمشروع واحد أو باستثمار عمومي ضخم، وإنما بمئات المشاريع التي تتوزع بين 187 مشروعاً بقدرة ميغاواط واحد، و119 مشروعاً بقدرة ميغاواطين، وثلاثة مشاريع بقدرة عشرة ميغاواط. أي أننا أمام انتشار واسع لمشاريع إنتاج الكهرباء الشمسية، وليس فقط أمام محطة عملاقة واحدة.
هذه أرقام تستحق التوقف عندها، ليس للاحتفاء بها فقط، وإنما لطرح الأسئلة التي تفرضها أزمة الطاقة التي كشفتها صائفة 2026.
الإدارة تواصل العمل رغم الفراغات
الملاحظة الأولى، وربما الأهم، أن الإدارة التونسية برهنت مرة أخرى، رغم كل حملات التشكيك والشيطنة، أنها قادرة على مواصلة العمل والتعامل مع الملفات الاستراتيجية للبلاد.
فالقرار يأتي في ظرف ليس سهلاً: أزمة طاقية كشفت هشاشة التوازن بين العرض والطلب على الكهرباء، ضغط متزايد على منظومة الإنتاج، وضرورة الإسراع في تطوير الطاقات المتجددة، في وقت تعرف فيه بعض المواقع الإدارية حالة شغور أو تدار بالنيابة.
ومع ذلك، تم استكمال عملية تقييم مطالب الجولة السادسة التي شملت الملفات الواردة إلى الوزارة إلى غاية 30 جوان 2026، وأعلنت الوزارة النتائج رسمياً.
والأهم أن الوزارة أوضحت أن نشر النتائج الحالية يسبق مرحلة إعداد قرارات الموافقة المبدئية، التي سيتم الإعلام عنها لاحقاً. بمعنى آخر، نحن أمام خطوة إدارية متقدمة، لكنها ليست نهاية المسار.
وهنا بالضبط يجب أن يكون النقاش واقعياً: نجاح الدولة لا يقاس فقط بقدرتها على قبول الملفات، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الملفات إلى مشاريع قائمة فعلياً، ممولة، ومنجزة، ومرتبطة بالشبكة وتنتج الكهرباء.
455 ميغاواط ليست مجرد رقم
قد يبدو الرقم لأول وهلة مجرد رقم تقني.
لكن 455 ميغاواط تعني أن القطاع الخاص أظهر شهية استثمارية واضحة في مجال الطاقة الشمسية.
واللافت أن غالبية المشاريع ليست مشاريع ضخمة، بل مشاريع صغيرة ومتوسطة الحجم. فمن بين 309 مشاريع مقبولة، هناك 306 مشاريع لا تتجاوز قدرة الواحد منها ميغاواطين.
وهذا يعني أن الانتقال الطاقي التونسي يمكن أن يتحول تدريجياً إلى سوق واسعة للمؤسسات والمستثمرين الخواص، بدلاً من أن يبقى ملفاً حكراً على الدولة والمؤسسات العمومية.
وهذه نقطة جوهرية.
فتونس لا تستطيع مواجهة تحدياتها الطاقية بالاعتماد على الدولة وحدها، كما أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز لا يمكن أن تتحمل بمفردها كلفة التحول العاجل في منظومة الإنتاج.
القطاع الخاص أصبح، بحكم الأمر الواقع، شريكاً أساسياً في المعادلة.
أكثر من 500 مليون دينار في الطريق؟
وبحسب تقديرات القطاع، فإن المشاريع المرتبطة بهذه الجولة يمكن أن تمثل استثمارات تتجاوز 500 مليون دينار، وهي أموال سيكون جزء مهم منها ممولاً عبر القطاع البنكي التونسي.
وهنا تظهر أهمية القرار من زاوية أخرى.
فالانتقال الطاقي لا يعني فقط إنتاج كهرباء نظيفة، وإنما يعني أيضاً خلق سوق استثمارية جديدة، وتمويلات بنكية، وشركات تركيب وصيانة، ومكاتب دراسات، ومؤسسات صناعية، ومواطن شغل، وسلسلة اقتصادية كاملة يمكن أن تستفيد منها عدة قطاعات.
وبالتالي فإن الطاقة الشمسية لم تعد ملفاً بيئياً فقط.
إنها أصبحت ملفاً مالياً واستثمارياً وصناعياً وسيادياً.
صيف 2026 كشف هشاشة المعادلة
لكن كل ذلك يجب أن يُقرأ على خلفية ما عاشته تونس خلال صائفة 2026.
فالطلب الكبير على الكهرباء خلال موجات الحر وضع منظومة الإنتاج أمام ضغوط استثنائية، وأعاد إلى الواجهة السؤال القديم الجديد: إلى أي مدى تستطيع تونس تأمين حاجاتها من الطاقة دون أن تبقى رهينة لتقلبات أسعار المحروقات والأسواق الخارجية؟
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل تراجع مؤشر الاستقلال الطاقي إلى حدود 34 بالمائة في نهاية جوان 2026، وفق البيانات المنشورة على موقع وزارة الصناعة والمناجم والطاقة.
وهذا الرقم وحده يكفي لفهم حجم التحدي.
فبلد يتمتع بإمكانات شمسية هائلة لا يمكن أن يقبل على المدى الطويل بأن يبقى الجزء الأكبر من أمنه الطاقي مرتبطاً بمصادر مستوردة.
من التبعية إلى الاستقلال الطاقي
الهدف الحقيقي إذن ليس تركيب الألواح الشمسية لمجرد تركيبها.
الهدف هو تغيير المعادلة.
تونس مطالبة بالانتقال من تبعية طاقية مرتفعة إلى استقلال طاقي يفوق 50 بالمائة على الأقل في أفق 2035، وفق الأهداف المعلنة للانتقال الطاقي.
وهذا يتطلب سرعة أكبر بكثير من النسق الحالي.
فكل ميغاواط شمسي يدخل الخدمة يعني، في النهاية، كمية إضافية من الكهرباء يمكن إنتاجها محلياً، وكمية أقل من الوقود الذي تحتاج البلاد إلى استيراده لتشغيل محطات الإنتاج التقليدية.
لكن الطريق بين قبول المشروع وإنتاج الكهرباء طويل.
والتحدي الحقيقي يبدأ من هنا.
الخطر المقبل: البيروقراطية
إذا كانت الدولة قد نجحت في الوصول إلى مرحلة قبول 309 مطالب، فإن عليها الآن أن تنجح في المرحلة الأصعب: عدم قتل هذه المشاريع بالبيروقراطية.
فالمستثمر الذي يحصل على الموافقة لا يزال أمامه عدد من الإجراءات المتعلقة بالعقار والتراخيص والربط بالشبكة والتمويل والتجهيزات والجباية والديوانة والبلديات والإدارات الجهوية وغيرها.
وفي حالة الطوارئ الطاقية التي تعيشها تونس، لا يمكن التعامل مع هذه الملفات بالمنطق الإداري التقليدي نفسه.
نحن أمام ضرورة وطنية تستوجب تسريع الإجراءات، ورقمنتها، وتوحيد المسارات وتقليص آجال الانتظار.
وكل شهر تأخير في إنجاز مشروع شمسي يعني عملياً استمرار الاعتماد على مصادر طاقة أخرى أكثر كلفة وأكثر ارتباطاً بالسوق الخارجية.
الولايات والإدارات الجهوية أمام امتحان حقيقي
وهنا لا تتحمل وزارة الصناعة والمناجم والطاقة وحدها المسؤولية.
الإدارات الجهوية والولايات والبلديات وكل الأطراف المتدخلة في إنجاز مشاريع الطاقة الشمسية مطالبة بأن تدرك أن الملف لم يعد ملف مستثمر بمفرده.
إنه ملف أمن طاقي وطني.
وإذا كانت تونس تريد فعلاً تسريع الانتقال الطاقي، فإن المطلوب هو إنشاء مسار واضح وسريع للمشاريع، خاصة تلك التي لا تواجه إشكالات تقنية أو عقارية أو بيئية كبرى.
المستثمر لا يحتاج إلى مزيد من الوعود.
يحتاج إلى إدارة أسرع.
ومجلس نواب الشعب؟
حتى التشريع مطالب بمواكبة هذه المرحلة.
فالانتقال الطاقي يحتاج إلى بيئة قانونية وجبائية وديوانية تساعد على خفض كلفة الاستثمار، لا إلى منظومة تزيد الأعباء على المستثمر والمواطن والمؤسسة الاقتصادية.
تونس تحتاج إلى مراجعة كل ما يمكن أن يرفع كلفة تركيب التجهيزات الشمسية، سواء تعلق الأمر بالمسارات الديوانية أو الجبائية أو الإدارية.
وكلما انخفضت كلفة الاستثمار في الطاقة الشمسية، أصبح من الأسهل على المؤسسات الاقتصادية والأسر والمستثمرين الدخول في منظومة الإنتاج الذاتي.
وهنا يمكن أن يتحول المواطن نفسه من مستهلك للكهرباء إلى منتج لها.
الإنتاج الذاتي.. الحلقة التي لا يجب إهمالها
المسار لا يجب أن يتوقف عند مشاريع إنتاج الكهرباء وبيعها للشركة التونسية للكهرباء والغاز.
فتونس بحاجة أيضاً إلى تسريع تعميم الإنتاج الذاتي من الطاقة الشمسية.
المصانع، المؤسسات التجارية، النزل، الإدارات، الفضاءات الكبرى وحتى المنازل، يمكن أن تصبح جزءاً من الحل إذا توفرت لها الشروط القانونية والمالية والفنية المناسبة.
وقد وضعت الدولة بالفعل آليات للإنتاج الذاتي وربط المنشآت بالشبكة، بما في ذلك بيع الفائض وفق شروط محددة.
لكن المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق البرنامج إلى منطق التعميم.
455 ميغاواط.. بداية وليست نهاية
الرقم الذي أعلنته الوزارة مهم، لكنه لا يجب أن يتحول إلى انتصار على الورق.
فالاختبار الحقيقي سيكون بعد أشهر وسنوات، عندما نرى هذه المشاريع تنتقل من جداول الإدارة إلى الأرض، ومن الأرض إلى الشبكة، ومن الشبكة إلى عدادات المؤسسات والمواطنين.
عندها فقط يمكن القول إن تونس بدأت فعلاً في تغيير معادلتها الطاقية.
أما اليوم، فإن الرسالة الأهم التي يحملها إعلان الجولة السادسة هي أن المال الخاص موجود، والرغبة في الاستثمار موجودة، والإمكانات الشمسية موجودة.
ما ينقص هو أن تتصرف بقية مؤسسات الدولة بالسرعة نفسها التي تفرضها الأزمة.
لقد كشفت صائفة 2026 أن الطاقة لم تعد ملفاً قطاعياً عادياً.
إنها قضية أمن اقتصادي وسيادي.
وإذا كانت تونس تريد الخروج من دائرة العجز الطاقي، فإن عليها أن تنتقل سريعاً من سؤال «كم نحتاج من الكهرباء؟» إلى سؤال أكثر جرأة:
«كم من الكهرباء نستطيع أن ننتجها بأنفسنا، وبأسرع وقت، وبأقل كلفة؟»
والـ455 ميغاواط التي أعلنت عنها الوزارة قد تكون واحدة من أولى الإجابات العملية عن هذا السؤال.
لكنها لن تكون الإجابة الكاملة إلا إذا تحولت سريعاً من 309 ملفات مقبولة إلى 309 مشاريع تنتج الكهرباء فعلياً.
