الرئيسية آخر الأخبار التأشيرات والتجارة سلاح أوروبا للضغط في ملف الهجرة… ماذا عن تونس؟»

التأشيرات والتجارة سلاح أوروبا للضغط في ملف الهجرة… ماذا عن تونس؟»

0
1
blank

بعد المغرب، هل تتحول سياسة الضغط الأوروبية في ملف الهجرة إلى ورقة أوسع تشمل دول جنوب المتوسط؟ تونس في قلب المعادلة بحكم موقعها وعلاقاتها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي

أعاد التصعيد الأخير حول الهجرة في محيط مدينة سبتة المحتلة فتح ملف بالغ الحساسية داخل الاتحاد الأوروبي: إلى أي مدى تستطيع بروكسل استخدام أدواتها الاقتصادية والسياسية للضغط على دول جنوب المتوسط من أجل مزيد من التعاون في مراقبة الحدود وإعادة المهاجرين؟

السؤال برز بقوة بعد تصريحات مفوض الشؤون الداخلية والهجرة في الاتحاد الأوروبي ماغنوس برونر، الذي دعا إلى استخدام مختلف أدوات النفوذ الأوروبية، بما في ذلك سياسة التأشيرات والتجارة، لضمان تعاون المغرب في ملف الهجرة، وذلك في أعقاب موجة العبور الجماعي نحو سبتة.

وحسب «رويتر»، اعتبر برونر أن اعتماد الاتحاد الأوروبي بدرجة كبيرة على تعاون دولة مجاورة واحدة في حماية الحدود يجعله عرضة للمخاطر، داعيا إلى تعزيز التعاون في مجال إعادة المهاجرين ومكافحة شبكات تهريب البشر.

لكن السؤال الذي يهم تونس هنا ليس ما إذا كان برونر قد ذكرها في مداخلته الأخيرة، فهو لم يفعل، وإنما ما إذا كانت الأدوات التي تحدث عنها يمكن أن تصبح جزءا من سياسة أوروبية أوسع تجاه دول جنوب المتوسط، ومن بينها تونس.

التأشيرة… ورقة ضغط أوروبية موجودة أصلا

استخدام سياسة التأشيرات كأداة ضغط ليس فكرة جديدة ظهرت مع أزمة سبتة.

فالاتحاد الأوروبي أقر منذ سنوات قواعد تسمح بتعديل بعض جوانب سياسة التأشيرات تجاه دول خارج الاتحاد الأوروبي بحسب مستوى تعاونها في مجال إعادة واستقبال مواطنيها الموجودين بصورة غير نظامية في أوروبا.

وتوضح المفوضية الأوروبية أن قواعد التأشيرات تتيح للاتحاد الأوروبي استخدام سياسة التأشيرات كوسيلة للتأثير في تعاون الدول غير الأعضاء في مجال إعادة وقبول المهاجرين.

وهذا يعني أن الربط بين الهجرة من جهة، والتأشيرات من جهة أخرى، ليس مجرد تهديد سياسي عابر، بل جزء من الأدوات التي يمكن أن تستخدمها بروكسل ضمن سياستها تجاه الدول الشريكة.

وهنا تصبح تونس معنية بالنقاش، ليس لأنها مستهدفة حاليا بإجراء أوروبي جديد، وإنما لأن التونسيين يعتمدون بصورة واسعة على فضاء شنغن للسفر، في حين أن ملف الهجرة أصبح أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين تونس وعدد من الدول الأوروبية.

تونس ليست خارج المعادلة

العلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي أكثر تعقيدا من مجرد ملف الهجرة.

ففي جويلية 2023 وقعت تونس والاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم حول شراكة استراتيجية وشاملة، تتضمن خمسة محاور هي: الاستقرار الاقتصادي الكلي، والاقتصاد والتجارة، والتحول الأخضر والطاقة، والعلاقات بين الشعوب، والهجرة والتنقل.

وبالتالي فإن الهجرة ليست ملفا منفصلا عن بقية العلاقة، بل جزء من إطار أوسع يجمع الاقتصاد والتجارة والطاقة والتنقل والهجرة.

وهذه النقطة تحديدا تجعل أي تحول في السياسة الأوروبية تجاه دول جنوب المتوسط جديرا بالمتابعة في تونس.

فحين تقول بروكسل إنها مستعدة لاستخدام أدوات اقتصادية أو مرتبطة بالتنقل للحصول على تعاون أكبر في ملف الهجرة، فإن تونس تملك علاقات واسعة جدا مع الاتحاد الأوروبي تجعلها معنية بالاتجاه العام، حتى وإن لم تكن موضع تهديد مباشر.

التجارة… الورقة الأقوى بالنسبة إلى تونس؟

إذا كانت التأشيرات تمثل ورقة حساسة بالنسبة إلى المواطنين، فإن التجارة تمثل بالنسبة إلى الدولة التونسية ورقة أكثر استراتيجية.

فالاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لتونس، وبلغت حصته 59.5 بالمائة من إجمالي التجارة التونسية في سنة 2025. كما توجهت 73.2 بالمائة من الصادرات التونسية إلى السوق الأوروبية، بينما مثلت الواردات من الاتحاد الأوروبي 49.6 بالمائة من إجمالي واردات تونس. وبلغت قيمة المبادلات التجارية في السلع بين الطرفين نحو 26 مليار يورو خلال 2025.

كما أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر مستثمر أجنبي في تونس، ويمثل نحو 85 بالمائة من مخزون الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد، بحسب بيانات المفوضية الأوروبية.

لذلك فإن الحديث الأوروبي عن استخدام التجارة كأداة ضغط يكتسب في الحالة التونسية أهمية خاصة.

لكن يجب الانتباه إلى نقطة أساسية: لا توجد حاليا معطيات تفيد بأن الاتحاد الأوروبي قرر استخدام التجارة ضد تونس بسبب ملف الهجرة.

ما يوجد هو توجه أوروبي معلن إلى استخدام أدوات متعددة في التعامل مع الدول الشريكة، في وقت أصبحت فيه إدارة الهجرة والعودة إلى بلدان الأصل جزءا أساسيا من السياسة الأوروبية الجديدة.

أوروبا تدخل مرحلة جديدة في ملف الهجرة

التوقيت مهم أيضا.

فالاتحاد الأوروبي دخل في جوان 2026 مرحلة تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الجديد، الذي يهدف إلى إنشاء منظومة أوروبية أكثر توحيدا في إدارة الهجرة واللجوء، مع تعزيز حماية الحدود الخارجية وتسريع إجراءات اللجوء والعودة.

وفي جوان الماضي، أكدت المفوضية الأوروبية أن سياسة العودة وإعادة القبول أصبحت عنصرا أساسيا في مقاربتها للهجرة، معتبرة أن إعادة الأشخاص الذين لا يملكون حق البقاء في الاتحاد جزء أساسي من سياسة الهجرة الأوروبية.

وهذا التطور مهم لتونس لأن التعاون في مجال إعادة المهاجرين والحد من الهجرة غير النظامية أصبح بالفعل أحد مكونات الشراكة بين الجانبين.

فالاتحاد الأوروبي أعلن منذ 2023 أن التعاون مع تونس يشمل مكافحة الهجرة غير النظامية، ومكافحة المهربين والمتاجرين بالبشر، وتعزيز مراقبة الحدود والتسجيل والعودة، إلى جانب مسارات الهجرة القانونية.

من الدعم إلى النفوذ؟

هنا تبرز إحدى أكثر النقاط حساسية.

فالاتحاد الأوروبي لم يتعامل مع ملف الهجرة التونسي فقط من زاوية الضغط. ففي سبتمبر 2023 أعلنت المفوضية الأوروبية عن نحو 127 مليون يورو لدعم تنفيذ مذكرة التفاهم مع تونس، منها 60 مليون يورو دعما للميزانية ونحو 67 مليون يورو للمساعدة التشغيلية المرتبطة بالهجرة.

وبذلك نشأ نموذج يقوم على الجمع بين الدعم المالي والتعاون في ملف الهجرة.

لكن أزمة سبتة والتصريحات الأخيرة لبرونر تكشف أن النقاش الأوروبي يتجه إلى أبعد من مجرد تقديم مساعدات: هناك تفكير متزايد في كيفية استخدام النفوذ الاقتصادي والسياسي الأوروبي للحصول على تعاون أكبر من الدول المجاورة في إدارة الحدود.

وهذا ما يجعل السؤال التونسي مشروعا: هل يمكن أن تنتقل العلاقة مستقبلا من منطق الشراكة والدعم إلى منطق أكثر وضوحا يقوم على الحوافز والضغوط المتبادلة؟

وماذا عن التونسيين الراغبين في السفر؟

ملف التأشيرات يكتسب حساسية خاصة بالنسبة إلى التونسيين.

فالحديث الأوروبي عن استخدام التأشيرات كأداة للتأثير في تعاون الدول الثالثة لا يعني تلقائيا فرض قيود جديدة على التونسيين، ولا توجد في المعطيات المتاحة حاليا إشارة إلى قرار أوروبي جديد يستهدف تونس في هذا الاتجاه.

لكن أوروبا تعمل في الوقت نفسه على إعادة تنظيم منظومة الدخول إلى أراضيها.

ومنذ 10 أبريل 2026 أصبح نظام الدخول والخروج الأوروبي يعمل بصورة كاملة في نقاط العبور الخارجية للدول المشاركة، وهو نظام رقمي يسجل دخول وخروج مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ويهدف أيضا إلى رصد حالات تجاوز مدة الإقامة.

كما يتجه الاتحاد الأوروبي إلى تشغيل نظام معلومات وتصريح السفر الأوروبي في أواخر 2026 بالنسبة إلى الجنسيات المعفاة من التأشيرة، وهو إجراء مختلف عن التأشيرة ولا ينطبق على التونسيين حاليا باعتبارهم من الجنسيات التي تحتاج إلى تأشيرة لدخول فضاء شنغن.

وبالتالي، فإن تشديد الرقابة الأوروبية لا يعني بالضرورة تشديد التأشيرات على التونسيين، لكن الاتجاه العام واضح: أوروبا تريد مزيدا من السيطرة على حدودها الخارجية، ومزيدا من القدرة على تتبع الدخول والخروج وتنفيذ قرارات العودة.

تونس أمام معادلة دقيقة

بالنسبة إلى تونس، تكمن الصعوبة في أن الاتحاد الأوروبي ليس مجرد شريك في ملف الهجرة.

إنه الشريك التجاري الأكبر، والمستثمر الأكبر، والسوق الرئيسية للصادرات التونسية، كما أن العلاقات الثنائية تشمل الطاقة والتجارة والاستثمار والتنقل والهجرة.

ولهذا فإن أي محاولة لربط هذه الملفات ببعضها يمكن أن تكون شديدة الحساسية.

لكن في المقابل، تملك تونس أيضا أوراقا تفاوضية مهمة، بحكم موقعها الجغرافي ودورها في المتوسط، وحجم العلاقات الاقتصادية مع أوروبا، وأهمية التعاون الأمني والهجرة بالنسبة إلى دول جنوب أوروبا.

ومن هنا فإن المسألة لا ينبغي اختزالها في سؤال: هل ستضغط أوروبا على تونس؟

بل ربما السؤال الأهم هو: كيف ستتفاوض تونس مع أوروبا عندما تصبح الهجرة مرتبطة بصورة متزايدة بالتجارة والتأشيرات والاستثمار والطاقة؟

سبتة ليست تونس… لكنها إنذار سياسي

ما حدث في سبتة لا يعني أن السيناريو نفسه سيتكرر في تونس، كما أن تصريح برونر لا يمثل تهديدا مباشرا للحكومة التونسية.

لكن الأزمة كشفت شيئا أكبر: الاتحاد الأوروبي لم يعد يريد أن يكون أمن حدوده رهينا بالكامل بإرادة دولة مجاورة واحدة.

وهذا ما قاله برونر صراحة، محذرا من أن الاعتماد على حسن نية دولة واحدة يترك الاتحاد معرضا للخطر.

وبالنسبة إلى تونس، فإن الرسالة الأهم ليست أن أوروبا قررت معاقبتها، وإنما أن قواعد اللعبة الأوروبية في ملف الهجرة تتغير.

أوروبا تريد حدودا خارجية أكثر صرامة، ونظام عودة أكثر فعالية، وتعاونا أكبر مع دول جنوب المتوسط. وفي الوقت نفسه، أصبحت مستعدة بصورة أوضح للنظر في أدوات نفوذها الاقتصادية والسياسية عندما ترى أن تعاون شريك خارجي غير كاف.

لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه في تونس ليس: هل ستفرض أوروبا عقوبات علينا؟

بل: هل تستعد تونس لمرحلة تصبح فيها الهجرة جزءا من مفاوضات أوسع تشمل التأشيرات والتجارة والاستثمار والطاقة؟

فالذي حدث في سبتة كان أزمة مغربية ـ إسبانية في ظاهرها، لكنه كشف تحولا أوروبيا أوسع في طريقة التعامل مع ملف الهجرة. وتونس، بحكم موقعها وعلاقاتها الاقتصادية وحضورها في معادلة الهجرة عبر المتوسط، لا تستطيع أن تتعامل مع هذا التحول وكأنه يحدث بعيدا عنها.