كان الصيف في تونس يحمل دائمًا مشهدًا يكاد يكون ثابتًا: سيارات بلوحات أوروبية تعبر الموانئ، طوابير المسافرين في المطارات، عائلات تونسية عائدة من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا وسويسرا وغيرها، وقرى ومدن تستعيد خلال أسابيع الصيف أبناءها الذين غابوا عنها طوال العام.
لكن صيف 2026 طرح سؤالًا مختلفًا هذه المرة:
أين اختفى «ناس الغربة»؟
هل تراجع فعلًا عدد التونسيين المقيمين بالخارج الذين عادوا لقضاء عطلتهم في تونس؟ أم أن الأمر مجرد انطباع بصري بسبب تغير وسائل السفر وأنماط الإقامة؟
لا توجد، في حدود الشهادات المتداولة، أرقام رسمية تسمح بالحسم في المسألة. لكن اللافت أن السؤال نفسه أصبح حاضرًا بقوة في النقاشات بين التونسيين، وأن عشرات أفراد الجالية قدموا إجابات متشابهة، وإن اختلفت التفاصيل.
والعنوان الأبرز في هذه الشهادات كان واضحًا:
العودة إلى تونس أصبحت مكلفة.
تذكرة السفر.. «الضربة الأولى»
بالنسبة إلى كثير من أفراد الجالية، تبدأ المشكلة قبل الوصول إلى تونس.
تذكرة الطائرة أو الباخرة أصبحت، وفق شهادات متداولة، تمثل عبئًا كبيرًا على العائلات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسرة من أربعة أو خمسة أفراد.
أحد المعلقين قال إنه اضطر إلى عدم العودة رفقة عائلته بسبب غلاء التذاكر، بينما ذكر آخر أن تذكرة شخص واحد يمكن أن تبلغ نحو 3 آلاف دينار، متسائلًا: إذا كان هذا ثمن تذكرة فرد واحد، فكم تصبح الكلفة لعائلة كاملة، قبل احتساب المصاريف الأخرى؟
وكتب أحد المشاركين أن عائلة من خمسة أشخاص يمكن أن تجد نفسها أمام فاتورة سفر ضخمة، بينما تحدث آخر عن أسعار تصل إلى مئات اليوروهات للتذكرة الواحدة.
الأرقام الواردة في هذه الشهادات تختلف من حالة إلى أخرى، لأنها مرتبطة بتاريخ الحجز والوجهة ووسيلة النقل وعدد أفراد الأسرة، لكنها تعكس شيئًا واحدًا:
السعر أصبح جزءًا أساسيًا من قرار العودة.
«بنفس الفلوس نمشي لبلاصة أخرى»
هنا تظهر المنافسة التي ربما لم تكن موجودة بهذه القوة في السابق.
عدد من أفراد الجالية يقولون إنهم لم يعودوا يقارنون فقط بين أسعار السفر إلى تونس وأسعار السفر في السنوات الماضية، وإنما يقارنون بين تكلفة تونس وتكلفة وجهات سياحية أخرى.
إسبانيا تتكرر في الشهادات.
ويقول أحد المشاركين إن بإمكانه قضاء عطلة في إسبانيا بتكلفة أقل، فيما يرى آخر أن وجهات أخرى توفر له، بنفس الميزانية تقريبًا، خدمات أفضل وراحة أكبر.
وفي تعليق آخر، ذهب صاحبه أبعد من ذلك وقال إن بعض أفراد الجالية أصبحوا يفضلون وجهات بعيدة بدل تحمل كلفة العودة إلى تونس.
هذه المقارنات ليست بالضرورة صالحة لكل العائلات، لكنها تكشف تحولًا مهمًا في طريقة التفكير:
التونسي المقيم بالخارج لم يعد يعتبر تونس الخيار الوحيد لقضاء عطلة الصيف.
«ما نجيش باش نلقى لا ماء لا ضو»
ثم جاء صيف 2026 بعامل جديد وربما أكثر حساسية: أزمة الماء والكهرباء.
فخلال موجات الحر، شهدت مناطق تونسية اضطرابات في التزود بالمياه وانقطاعات في الكهرباء، وهي ظروف جعلت العطلة الصيفية أكثر صعوبة بالنسبة إلى البعض.
وتقول شهادات متداولة إن بعض أفراد الجالية كانوا يتصلون بعائلاتهم قبل السفر للاستفسار عن الوضع، وعندما يسمعون عن انقطاع الماء والكهرباء وارتفاع درجات الحرارة، يبدأ التردد.
أحد المشاركين اختصر المسألة في جملة:
«كي يسمع بالضو والماء مقصوصين في عز الصيف، كيفاش تحبوه يروح؟»
آخر قال إنه يعرف أفرادًا عادوا إلى تونس ثم قطعوا عطلتهم ورجعوا إلى بلدان إقامتهم بسبب الظروف التي واجهوها.
وشهادة أخرى تقول إن صاحبها عاد هذا الصيف ثم خرج بانطباع واضح: «توبة».
هذه شهادات فردية، لكنها تحمل رسالة اقتصادية وسياحية لا يمكن تجاهلها:
العطلة لا تعني فقط الوصول إلى تونس، وإنما تعني أيضًا القدرة على العيش فيها براحة.
الجالية لا تبحث عن «الرفاهية».. بل عن أبسط شروط العطلة
في عدد من التعليقات، لم يكن الحديث عن فنادق فاخرة أو خدمات استثنائية.
كان الحديث عن أشياء أبسط بكثير:
الماء.
الكهرباء.
النظافة.
الطرقات.
المعاملات.
الأسعار.
الأمان.
والقدرة على قضاء بضعة أسابيع دون الإحساس بأن كل خطوة ستكلف أكثر مما ينبغي.
أحد المشاركين كتب أن بعض أفراد الجالية يشعرون بأنهم أصبحوا «غرباء في بلدهم الأم».
وقال آخر إن المشكلة لا تتعلق بالمال فقط، بل بتدهور جودة الحياة والخدمات.
وذهب أحدهم إلى القول إن تونس لم تعد بالنسبة إليه وجهة مفضلة لقضاء الصيف، بينما اعتبر آخر أن ما يحدث ليس مجرد أزمة أسعار، وإنما أزمة أعمق تتعلق بالصورة التي يحملها المهاجر عن بلده عندما يعود إليه.
«روحت وندمت»
من أكثر العبارات التي تتكرر في النقاش عبارة الندم على العودة.
أحد المعلقين قال إنه عاد هذا الصيف ثم ندم بسبب المصاريف وقطع الكهرباء.
آخر قال إنه عاد لكنه لن يكرر التجربة في الصيف المقبل.
وثالث قال إنه سيغير موعد الزيارة مستقبلًا ويختار الشتاء بدل الصيف.
وهنا تظهر ظاهرة تستحق الدراسة:
ربما لا تختفي الجالية من تونس، لكنها بدأت تختفي من صيف تونس.
فبعض الذين لا يستطيعون أو لا يرغبون في دفع كلفة العطلة الصيفية قد يختارون زيارة تونس في سبتمبر أو الشتاء أو الربيع، حين تنخفض أسعار النقل والإقامة وتصبح درجات الحرارة أكثر اعتدالًا.
وهذا فرق جوهري.
«من 15 سنة أول مرة ما نروحش»
بين عشرات التعليقات، كانت هناك شهادة لافتة لشخص قال إنه للمرة الأولى منذ 15 سنة لم يعد إلى تونس، مشيرًا إلى أن السبب «غير مادي».
هذه العبارة تفتح بابًا آخر في القضية.
فليس كل شيء قابلًا للحساب بالدينار أو اليورو.
هناك أيضًا العلاقة العاطفية بين المهاجر وبلده الأصلي.
عندما يصبح الرجوع إلى الوطن مصدر توتر بدل الراحة، أو عندما يشعر الشخص أنه يتعرض للاستغلال أو سوء المعاملة، فإن قرار العودة قد يتغير حتى لو كان قادرًا ماليًا على دفع تكلفتها.
هل فقدت تونس «ميزة الحنين»؟
لعقود، كانت تونس تمتلك سلاحًا لا تستطيع أي وجهة أخرى منافسته:
العائلة.
الأب والأم.
الأشقاء.
الحي القديم.
الأصدقاء.
المناسبات.
ذكريات الطفولة.
لكن الجيل الجديد من أبناء الجالية بدأ يعيش تجربة مختلفة.
الكثير منهم ولدوا في أوروبا، ودرسوا فيها، وأصبحوا أكثر ارتباطًا بأنماط الحياة هناك.
وبالنسبة إلى هذا الجيل، قد لا تكون عبارة «الوطن» وحدها كافية لإقناعه بقضاء شهر كامل في تونس إذا كانت كلفة السفر مرتفعة وظروف الإقامة صعبة.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية التي قد تواجهها تونس خلال السنوات المقبلة:
هل تستطيع البلاد أن تحافظ على علاقة الجيل الجديد من الجالية بها؟
«المهاجر هو الدوفيز».. ولكن إلى متى؟
من بين التعليقات عبارة قاسية تختصر جانبًا من المشكلة:
«جماعة الخارج ولات الدولة تعتبرهم الدوفيز الوحيد.»
وحتى لو كانت العبارة تعبيرًا عن موقف شخصي، فإنها تعكس شعورًا يتكرر في النقاشات حول علاقة تونس بجاليتها.
فالمهاجر لا يأتي فقط ليزور عائلته.
هو ينفق.
يستهلك.
يشتري.
يكري.
يتنقل.
يصلح منزله.
يساعد عائلته.
ينظم مناسبات.
ويجلب العملة الصعبة.
ولهذا فإن كل قرار فردي بعدم العودة يمكن أن يتحول، إذا تكرر على نطاق واسع، إلى خسارة اقتصادية صغيرة تتراكم تدريجيًا.
لكن هناك رواية أخرى: «الأعداد أكبر من العام الماضي»
حتى لا يتحول النقاش إلى حكم مسبق، فإن بعض أفراد الجالية رفضوا تمامًا فكرة التراجع.
أحد المشاركين كتب بوضوح:
«أنا لا أرى تقلصًا في أعداد الجالية هذا العام، بل بالعكس.»
وقال آخر إن هذه مجرد ملاحظات لا يمكن بناء استنتاجات عليها، لأنها ليست إحصائيات رسمية.
وهذا الاعتراض وجيه.
فعدد السيارات ذات اللوحات الأجنبية ليس مقياسًا دقيقًا لعدد أفراد الجالية.
هناك من يأتي بالطائرة.
وهناك من يترك سيارته في تونس.
وهناك من يستأجر سيارة.
وهناك من يزور البلاد في غير أشهر الذروة.
كما أن حركة الموانئ والمطارات يجب أن تقارن بفترات مماثلة من السنوات السابقة حتى يمكن الحديث عن ارتفاع أو انخفاض فعلي.
السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الأرقام
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: «هل لاحظنا سيارات أقل؟»
بل:
كم عدد التونسيين المقيمين بالخارج الذين دخلوا تونس خلال صيف 2026 مقارنة بصيف 2025 و2024؟
وكم منهم دخل عبر الموانئ؟
وكم عبر المطارات؟
وما معدل الإقامة؟
وهل تغيرت مدة الإقامة؟
وهل ارتفع عدد الزيارات خارج أشهر جويلية وأوت؟
وهل تراجعت نفقات الجالية داخل تونس؟
هذه هي الأرقام التي يمكن أن تحول النقاش من مجرد انطباعات إلى حقيقة اقتصادية.
تونس أمام إنذار مبكر؟
ربما يكون من السابق لأوانه القول إن الجالية «هجرت» تونس.
لكن من الخطأ أيضًا تجاهل ما تقوله هذه الشهادات.
لأن الخطر لا يبدأ عندما تتوقف الجالية عن العودة.
الخطر يبدأ عندما تبدأ في المقارنة.
تقارن سعر التذكرة.
تقارن كلفة الإقامة.
تقارن جودة الخدمات.
تقارن المعاملة.
تقارن النظافة.
تقارن الأمن والراحة.
ثم تسأل نفسها:
«علاش تونس؟»
وهذا السؤال، إذا أصبح شائعًا بين الأجيال الجديدة من أبناء الجالية، قد يكون أخطر بكثير من مجرد انخفاض عدد السيارات ذات اللوحات الأجنبية في شوارع تونس.
فربما لا تكون المشكلة أن «ناس الغربة» اختفوا.
ربما بدأوا فقط يغيرون عاداتهم.
والفرق بين الأمرين كبير.
لأن التونسي الذي لا يعود هذا الصيف يمكن أن يعود العام المقبل.
أما التونسي الذي يكتشف أن هناك عشرات الوجهات الأخرى التي تمنحه عطلة أقل كلفة وأكثر راحة، ثم ينقل هذه القناعة إلى أبنائه، فهنا تبدأ قصة مختلفة تمامًا.
فهل صيف 2026 مجرد سنة استثنائية؟ أم أنه بداية تحول في علاقة التونسيين بالخارج بعطلتهم في الوطن؟



