الرئيسيةآخر الأخبارالدعوة إلى التأميم في تونس.. من يدفع فاتورة هذا الخطاب؟

الدعوة إلى التأميم في تونس.. من يدفع فاتورة هذا الخطاب؟

في خضم النقاشات المتصاعدة حول عدد من الشركات الأجنبية الناشطة في تونس، برزت خلال الفترة الأخيرة أصوات تدعو إلى تأميم مؤسسات وشركات أجنبية تنشط في قطاعات مختلفة، من الطاقة والمحروقات إلى الملح والمياه وغيرها، مع توجيه اتهامات مختلفة إليها.

وقد تبدو مثل هذه الدعوات، في ظاهرها، دفاعاً عن السيادة الاقتصادية أو عن الثروات الوطنية، خصوصاً عندما ترتبط بقطاعات استراتيجية أو بموارد يعتبرها التونسيون ملكاً جماعياً. لكن المشكلة لا تكمن فقط في مدى صحة الاتهامات من عدمها، وإنما في الكلمة نفسها: « التأميم ».

فبالنسبة إلى المستثمر، المحلي قبل الأجنبي، لا تُقرأ هذه الكلمة باعتبارها مجرد شعار سياسي. إنها تحمل معنى قانونياً واقتصادياً بالغ الثقل: احتمال انتقال ملكية مشروع خاص إلى الدولة، واحتمال تغير قواعد اللعبة بعد الاستثمار، واحتمال أن تصبح الملكية الخاصة عرضة لقرارات سياسية في المستقبل.

وهنا تكمن الخطورة.

تونس تحتاج إلى المستثمر.. لا إلى إخافته

تونس ليست في وضع اقتصادي يسمح لها بخوض معركة مع رأس المال الخاص، سواء كان تونسياً أو أجنبياً.

فالاقتصاد التونسي يعاني من ضعف النمو، وارتفاع الدين العمومي، وضغط التمويل، وصعوبة تعبئة الموارد الخارجية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى خلق عشرات الآلاف من مواطن الشغل سنوياً.

والأرقام الرسمية المتعلقة بالاستثمار الأجنبي في الواقع تقدم صورة تستحق التوقف عندها.

فقد بلغت الاستثمارات الدولية في تونس حوالي 3.572 مليار دينار في نهاية 2025، بزيادة تجاوزت 30% مقارنة بسنة 2024، فيما وضعت تونس لنفسها هدفاً في حدود 4 مليارات دينار خلال 2026.

كما بلغت الاستثمارات الدولية خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025 نحو 2.589 مليار دينار، بزيادة 28.1%، منها 2.536 مليار دينار في شكل استثمارات أجنبية مباشرة، وأسهمت المشاريع المحدثة للاستثمار في خلق 11,554 موطن شغل جديد خلال تلك الفترة.

وفي النصف الأول من 2025 وحده، بلغت الاستثمارات الدولية 1.650 مليار دينار، بزيادة 20.8% على أساس سنوي، وكان قطاع الصناعات التحويلية المستفيد الأكبر بنسبة 62.9% من التدفقات، مقابل 24.3% للطاقة و11.6% للخدمات و1.2% للفلاحة.

بعبارة أخرى، الاستثمار الأجنبي ليس هامشياً في الاقتصاد التونسي، بل هو أحد مصادر التمويل والإنتاج والتصدير والتشغيل ونقل التكنولوجيا.

الشركات الأجنبية ليست مجرد مال أجنبي

هناك خطأ شائع في النقاش العام يتمثل في النظر إلى الشركة الأجنبية وكأنها مجرد مستثمر يضع أموالاً في تونس ثم يحول أرباحه إلى الخارج.

الواقع أكثر تعقيداً.

الشركة الأجنبية الموجودة في تونس تدفع أجوراً لآلاف التونسيين، وتدفع ضرائب وأداءات، وتتعامل مع شركات تونسية، وتستعمل خدمات النقل والموانئ والبنوك والتأمين والطاقة والمياه والاتصالات، كما تدخل منتجاتها في سلاسل التصدير.

وتكشف أرقام حديثة عن حجم هذا الارتباط.

فرنسا: نحو 168 ألف موطن شغل

توجد في تونس حوالي 1600 شركة فرنسية، وتوفر وفق معطيات تم تداولها خلال 2025 نحو 168 ألف موطن شغل مباشر، فيما تبلغ الاستثمارات الفرنسية حوالي 4.2 مليار يورو، منها نحو 2.5 مليار يورو في شكل استثمارات مباشرة.

ومقارنة بعدد المشتغلين في تونس، الذي بلغ حوالي 3.568 مليون شخص في الربع الثاني من 2026، فإن الوظائف المرتبطة بالشركات الفرنسية تعادل تقريباً 4.7% من إجمالي المشتغلين.

إيطاليا: أكثر من 85 ألف موطن شغل

أما الشركات الإيطالية، فقد تجاوز عددها في 2025 ألف شركة، وتوفر أكثر من 85 ألف موطن شغل مباشر في تونس، وفق وزارة الخارجية الإيطالية.

واللافت أن إيطاليا ليست فقط مستثمراً مهماً، وإنما تعد تونس أول سوق إفريقية لصادراتها.

ويمثل عدد الوظائف المرتبطة بالشركات الإيطالية حوالي 2.4% من إجمالي المشتغلين في تونس.

ألمانيا: حوالي 100 ألف موطن شغل

أما ألمانيا، فتقول وزارة الخارجية الألمانية في تحديث رسمي في يوليو 2026 إن الشركات الألمانية خلقت حوالي 100 ألف موطن شغل في تونس، فيما تضم غرفة التجارة والصناعة التونسية الألمانية أكثر من ألف عضو.

ويمثل ذلك قرابة 2.8% من إجمالي المشتغلين في تونس.

وبالتالي، فإن الشركات الفرنسية والإيطالية والألمانية وحدها ترتبط بنحو 353 ألف موطن شغل مباشر، أي ما يقارب 10% من إجمالي المشتغلين في تونس، إذا ما قورنت هذه الأرقام بإجمالي عدد المشتغلين في الربع الثاني من 2026.

وهذه ليست أرقاماً صغيرة يمكن التعامل معها بخفة في بلد تبلغ فيه البطالة 14.9%.

والأكثر إثارة: الميزان التجاري يميل إلى تونس

قد يكون من المفيد في النقاش حول الشركات الأجنبية أن نتجاوز خطاب « الأجنبي يأخذ أكثر مما يعطي » وأن ننظر إلى الأرقام التجارية.

ففي سنة 2025، حققت تونس فائضاً تجارياً مع الدول الثلاث:

الدولةصادرات تونس إليها 2025واردات تونس منها 2025الرصيد لصالح تونس
فرنسا14.828 مليار د.ت9.311 مليار د.ت+5.518 مليار د.ت
ألمانيا9.178 مليار د.ت6.576 مليار د.ت+2.602 مليار د.ت
إيطاليا10.559 مليار د.ت9.950 مليار د.ت+0.609 مليار د.ت

وتظهر بيانات التجارة أن تونس حققت فائضاً مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا، في حين بلغ فائضها مع إيطاليا نحو 608 ملايين دينار في 2025.

أما وزارة الخارجية الألمانية فتؤكد بدورها أن الميزان التجاري بين تونس وألمانيا كان إيجابياً لفائدة تونس في 2025، إذ بلغت واردات ألمانيا من تونس 3.3 مليار يورو مقابل 2.1 مليار يورو من الواردات التونسية من ألمانيا.

وهذا يعني أن وجود الشركات الأجنبية لا يمكن اختزاله في فكرة « استنزاف الاقتصاد التونسي ».

التأميم ليس مجرد تغيير في الملكية

من الناحية القانونية، يظل للدولة الحق في اتخاذ إجراءات نزع الملكية أو التأميم للمصلحة العامة وفق شروط وضمانات محددة، بما في ذلك عدم التمييز والتعويض المسبق، وهو ما تشير إليه التقييمات الرسمية لمناخ الاستثمار في تونس.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التأميم من إجراء قانوني استثنائي إلى خطاب سياسي متكرر.

فالمستثمر لا ينتظر صدور قرار التأميم حتى يتخذ موقفه.

قد يقرر ببساطة ألا يستثمر.

وقد يؤجل مشروعاً.

وقد يختار المغرب أو مصر أو تركيا أو شرق أوروبا.

وقد تكتفي الشركة الموجودة في تونس بعدم توسيع مصنعها.

وهذا النوع من الخسارة لا يظهر فوراً في ميزانية الدولة، لكنه يظهر بعد سنوات في شكل مصانع لم تُبنَ، ووظائف لم تُخلق، وصادرات لم تتحقق، وتكنولوجيا لم تدخل إلى البلاد.

تونس لا تحتاج إلى تأميم الشركات.. بل إلى رقابة أقوى عليها

إذا كانت هناك شركة أجنبية تخالف القانون أو تضر بالبيئة أو تستغل الموارد الطبيعية بصورة غير قانونية أو تتهرب من الضرائب أو تخرق شروط العقد، فالحل ليس التغاضي عن المخالفات.

لكن الحل أيضاً ليس القفز مباشرة إلى التأميم.

هناك سلسلة كاملة من الأدوات القانونية:

التدقيق، الرقابة، فرض الغرامات، مراجعة العقود، استرجاع المستحقات، القضاء، سحب الرخص عند ثبوت المخالفات، وفسخ العقود عند الإخلال بالالتزامات.

أما التأميم فيجب أن يبقى، إن تم اللجوء إليه، قراراً استثنائياً ومدروساً ومبنياً على ملف قانوني واقتصادي متين، لا نتيجة لضغط الشارع أو حملة سياسية أو اتهامات لم تثبت أمام جهة رقابية أو قضائية مختصة.

لكن هل تستطيع الدولة فعلاً إدارة الشركات التي تؤممها؟

هذا هو السؤال الذي يغيب غالباً عن النقاش.

قبل أن تطالب الدولة بضم شركة خاصة إلى ملكيتها، يجب أن تجيب عن سؤال بسيط:

من سيديرها؟

تونس لديها اليوم تجربة ثقيلة مع عدد كبير من المؤسسات والمنشآت العمومية.

وتشير المعطيات الأمريكية نقلاً عن آخر تقرير لوزارة المالية التونسية إلى وجود 111 مؤسسة ومنشأة عمومية ومؤسسة عمومية في تونس.

وفي 2025، سجلت 11 مؤسسة ومنشأة عمومية خسائر مجمعة بنحو 1.07 مليار دينار، من بينها تونسair التي تجاوزت خسائرها 316 مليون دينار، وديوان البحرية التجارية والموانئ الذي بلغت خسائره حوالي 291 مليون دينار.

كما تشير تحليلات اقتصادية إلى أن خسائر المؤسسات العمومية، إلى جانب الدعم وتأجيل الديون والضمانات الحكومية، تساهم بصورة مباشرة في الضغط على المالية العمومية.

فإذا كانت الدولة تواجه صعوبات في إصلاح مؤسسات عمومية قائمة منذ عقود، فهل من الواقعي إضافة عشرات المؤسسات الجديدة إلى محفظتها؟

والسؤال هنا ليس أيديولوجياً.

إنه سؤال محاسبي وإداري بحت:

كم ستكلف عملية التأميم؟ ومن سيمول الاستثمار والصيانة والتجهيز والأجور؟ ومن سيتحمل الخسائر إذا تراجعت المبيعات؟

درس الشركات المصادرة بعد الثورة

تقدم تجربة الممتلكات والشركات المصادرة بعد الثورة درساً آخر.

لقد تحولت الدولة بعد 2011 إلى مالكة لعدد كبير من الأصول والشركات المصادرة، لكن إدارة هذه الممتلكات لم تكن دائماً سهلة، وتواصلت مشاكل التصرف والبيع والتقييم والحوكمة.

وتشير دراسة لـ »Legal Agenda » إلى أن المتصرفين القضائيين كانوا يسيطرون على حوالي 80% من الشركات المصادرة، أي قرابة 400 شركة، وهو ما يعكس ضخامة وتعقيد الملف.

وفي المقابل، تمكنت الدولة من تحقيق مداخيل مهمة من بيع بعض الأصول المصادرة، بما يقارب نصف مليار دولار في مرحلة من مراحل التصرف فيها.

لذلك لا يصح القول إن تجربة المصادرة كانت « صفراً » بالكامل، كما لا يصح تقديمها باعتبارها نجاحاً نموذجياً. الدرس الحقيقي هو أن امتلاك الدولة للأصل لا يعني تلقائياً حسن إدارته أو تعظيم قيمته الاقتصادية.

وهذه نقطة جوهرية في نقاش التأميم.

المستثمر التونسي أيضاً يسمع كلمة التأميم

الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن خطاب التأميم يخيف الأجنبي فقط.

المستثمر التونسي يسمعه أيضاً.

صاحب المصنع المحلي الذي يفكر في توسيع إنتاجه يسأل نفسه: ماذا سيحدث إذا تغيرت القواعد؟ هل استثماري محمي؟ هل يمكن أن تتحول ملكيتي الخاصة، في ظرف سياسي معين، إلى قضية عامة؟

والرجل الذي يملك رأس مالاً ويفكر في إنشاء مصنع بقيمة 20 أو 50 أو 100 مليون دينار لا يحتاج فقط إلى حوافز جبائية.

إنه يحتاج قبل كل شيء إلى اليقين.

اليقين بأن القواعد لن تتغير بصورة مفاجئة.

اليقين بأن العقد سيحترم.

اليقين بأن القضاء قادر على حمايته.

اليقين بأن الملكية الخاصة مصونة.

واليقين بأن الدولة ستحاسبه إذا خالف القانون، لكنها لن تعاقبه لمجرد أنه مستثمر خاص.

المفارقة: تونس بدأت تستعيد بعض الثقة الاستثمارية

هنا تظهر المفارقة.

ففي الوقت الذي ارتفعت فيه الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال 2025 بنسب مهمة، وارتفعت الاستثمارات الدولية إلى أكثر من 3.5 مليار دينار، تبرز في الخطاب العام دعوات يمكن أن تبعث برسالة معاكسة تماماً إلى الأسواق.

وتأتي هذه الزيادة في وقت لا تزال فيه تونس تواجه ما يسميه البنك الدولي بيئة تمويل وسياسات صعبة، وحواجز تنظيمية أمام الاستثمار لا تساعد على تحقيق نمو قوي ومستدام.

أي أن البلاد لا تحتاج إلى إضافة عنصر جديد من عدم اليقين.

بل تحتاج إلى إزالة عناصر عدم اليقين الموجودة أصلاً.

السيادة الاقتصادية لا تعني طرد المستثمر

هناك فرق بين الدفاع عن السيادة الاقتصادية وبين رفض رأس المال الأجنبي.

الدولة السيادية هي التي تضع قواعد واضحة، وتفرض احترام القانون، وتراقب استغلال الموارد الطبيعية، وتحصل على الضرائب المستحقة، وتراجع العقود عند الحاجة، وتحمي العمال والبيئة والمستهلك.

أما الدولة التي تقول للمستثمر: « استثمر، ثم سنقرر لاحقاً إن كانت ملكيتك ستبقى لك »، فهي لا تعزز سيادتها الاقتصادية، بل تدفع رأس المال إلى البحث عن بيئة أكثر أمناً.

وتونس، بحكم محدودية مواردها المالية، لا تستطيع ببساطة تعويض كل استثمار خاص يخرج منها باستثمار عمومي.

المعركة الحقيقية ليست مع الشركة الأجنبية.. بل مع سوء الحوكمة

إذا كانت هناك شبهات حول شركة تعمل في الملح أو المياه أو الطاقة أو أي قطاع آخر، فلتفتح الملفات.

إذا كان هناك إخلال بالعقد، فليتم تطبيق العقد.

إذا كان هناك تهرب ضريبي، فلتُحصّل الضرائب.

إذا كان هناك فساد، فليُحال الملف إلى القضاء.

إذا كان هناك احتكار، فلتُطبق قوانين المنافسة.

وإذا ثبت أن عقداً أضر بالمصلحة الوطنية، فلتتم مراجعته وفق القانون.

لكن لا ينبغي أن تصبح كلمة « أجنبي » بحد ذاتها دليلاً على الجريمة، كما لا ينبغي أن تصبح كلمة « تأميم » بديلاً عن التحقيق والرقابة والقضاء.

فتونس لا تحتاج اليوم إلى معركة بين الدولة والقطاع الخاص.

تحتاج إلى دولة قوية في الرقابة، قوية في القانون، وقوية في التفاوض، لكنها أيضاً واضحة في حماية الملكية والاستثمار.

الخلاصة

قد تكون نوايا الداعين إلى التأميم حسنة، وقد يكون بعضهم منطلقاً من رغبة حقيقية في الدفاع عن الثروة الوطنية.

لكن الاقتصاد لا يحكمه حسن النوايا وحده.

المستثمر يسمع الكلمة قبل أن يقرأ النية.

وكلمة « تأميم »، في ذاكرة رأس المال، ليست كلمة عادية.

إنها تعني احتمال فقدان الملكية، واحتمال تغير القواعد، واحتمال ارتفاع المخاطر.

وفي بلد يحتاج إلى الاستثمار والتشغيل والتصدير والعملة الصعبة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تغادر شركة أجنبية اليوم، وإنما أن تقرر شركة أجنبية غداً ألا تأتي أصلاً.

وفي الاقتصاد، هناك خسائر يمكن حسابها بعد وقوعها، وهناك خسائر لا تظهر في الإحصائيات إلا بعد سنوات: المشروع الذي لم يُنجز، والمصنع الذي لم يُبنَ، والوظيفة التي لم تُخلق، ورأس المال الذي اختار بلداً آخر.

وهذه تحديداً هي الكلفة التي يجب أن تحسبها تونس جيداً قبل أن تجعل من « التأميم » شعاراً اقتصادياً وسياسياً متداولاً.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى