أعادت صحيفة «دي تسايت» الألمانية فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في ألمانيا، من خلال مقال للصحفية ماريام لاو ، نُشر يوم 20 أوت 2026، تحت عنوان: «هل لدى ألمانيا هجرة أكثر من اللازم؟»، ضمن سلسلة «ألمانيا تتحدث»
وتنطلق لاو من مفارقة أساسية: ألمانيا تحتاج إلى المهاجرين، لكنها في الوقت نفسه تواجه مشكلات حقيقية مرتبطة بالهجرة، معتبرة أن الحديث عن الملف أصبح شديد الاستقطاب، إلى درجة جعلت مناقشته بصورة هادئة ومتوازنة أمراً صعباً.
وتطرح الصحفية سؤالاً مباشراً: هل أصبحت ألمانيا دولة تعاني من هجرة مفرطة؟
هجرة واسعة ومشكلات في الرقابة
ترى ماريام لاو أن الإجابة، من وجهة نظرها، هي أن ألمانيا تواجه بالفعل هجرة واسعة وغير مرغوب فيها في بعض جوانبها، إلى جانب مشكلات مرتبطة بالسيطرة والرقابة.
وتشير إلى أن موضوع الهجرة يوقظ في ألمانيا قضايا شديدة الحساسية، من بينها الهوية والتاريخ والتعاطف والفخر والأحكام المسبقة، وهو ما يجعل النقاش بعيداً أحياناً عن تقييم المصالح والمشكلات بصورة موضوعية.
لكن الصحفية تستدرك بأن نتائج استطلاعات الرأي تبدو أكثر تعقيداً من الخطاب السياسي والإعلامي الحاد.
فبحسب المقال، تكشف غالبية الاستطلاعات أن الألمان لا ينقسمون بالحدة التي قد يوحي بها النقاش العام، وأن أغلبية واسعة من المواطنين تشعر بنوع من الازدواجية تجاه قضية الهجرة.
فمن جهة، هناك استعداد لمساعدة لاجئة تتعرض للاضطهاد بسبب موقفها أو معتقداتها، ومن جهة أخرى يدرك كثيرون أن ألمانيا ليست البلد الأوروبي الوحيد الذي يحتاج إلى مهاجرين.
ألمانيا تحتاج إلى العمال المهاجرين
وتشير «دي تسايت» إلى أن الحاجة إلى المهاجرين لا تقتصر على ألمانيا، بل تشمل دولاً أوروبية أخرى مثل بولندا والمجر ورومانيا، التي تبحث بدورها عن عمال في قطاعات مختلفة، من بينها رعاية المسنين والعمل المنزلي وقطاع البناء.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في النقاش الألماني: الاقتصاد يحتاج إلى اليد العاملة الأجنبية، بينما يتزايد القلق الشعبي من بعض أشكال الهجرة.
وترى الصحفية أن ألمانيا مطالبة بالتعامل مع الأمرين في الوقت نفسه، بدلاً من وضعهما في مواجهة مباشرة: الحاجة الاقتصادية من جهة، ومشكلات الاندماج والرقابة من جهة أخرى.
التونسي البالغ 19 عاماً في قلب النقاش
وتتوقف ماريام لاو بشكل لافت عند مثال الشاب التونسي البالغ من العمر 19 عاماً، العاطل عن العمل ومن دون مؤهلات، الذي لا يستطيع تقديم الفقر سوى مبرر للهجرة.
وتقول إن غالبية الألمان قد لا يشعرون بالمسؤولية تجاه مثل هذه الحالات، وترى أن ذلك مفهوم، معتبرة أن رفض هذا النوع من الهجرة لا يعني بالضرورة العنصرية.
وتقدم الصحفية مثالاً على ذلك بالقول إن شعور شخص بعدم الارتياح عند وصوله ليلاً إلى المحطة المركزية في هامبورغ، في ظل وجود مجموعات من الشبان العاطلين عن العمل وربما الذين لا يملكون أوراق إقامة، لا يمكن اختزاله تلقائياً في موقف عنصري.
وتعتبر أن وجود مثل هذه المشاهد يمثل مشكلة حقيقية ينبغي التعامل معها بسرعة.
الاندماج ليس اقتصادياً فقط
ومن أبرز أفكار المقال أن نجاح الاندماج، بحسب لاو، ليس مسألة اقتصادية فقط، وإنما هو أيضاً مسألة ثقافية.
وتناقش الصحفية مواقف اجتماعية تعتبرها إشكالية، مثل النظر إلى النساء غير المحجبات باعتبارهن هدفاً جنسياً، أو اعتبار المثليين رمزاً للانحطاط، أو رفض حق إسرائيل في الوجود.
لكنها تشدد في المقابل على أن مثل هذه المواقف ليست حكراً على المهاجرين أو المسلمين، إذ توجد مواقف عدائية مماثلة لدى بعض الألمان الذين لا علاقة لهم بالهجرة.
المشكلة، وفق المقال، تبدأ عندما تتحول الأفكار إلى سلوكيات تقيد حرية الآخرين، مثل منع النساء من ارتداء ما يردن أو الاعتداء على الأزواج المثليين.
وترى لاو أن الدولة والمجتمع مطالبان بالتدخل في هذه الحالات بغض النظر عن هوية المعتدي، سواء كان إسلامياً متطرفاً أو متطرفاً من اليمين.
«صاحب الكباب» يجب أن يُعامل كجار
وفي سياق الحديث عن الاندماج، تقدم الصحفية صورة رمزية لافتة، عندما تقول إن مواجهة الاعتداءات اليومية لن تحقق أهدافها إلا إذا أصبح صاحب محل الكباب جزءاً واضحاً من مفهوم الجار والمواطن الذي يحظى بالحماية من بقية أفراد المجتمع.
وتضيف أن المسلمين أنفسهم وقفوا في حالات عديدة ضد المعتدين الإسلاميين، معتبرة أن حماية المجتمع من التطرف لا يمكن أن تكون مبنية على تحميل جماعة بأكملها مسؤولية أفعال أفراد منها.
وفي المقابل، توجه لاو انتقاداً إلى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، متسائلة عن مدى جدية الحزب في الحديث عن إعادة تنظيم المجال العام إذا كان ذلك سيؤدي في الواقع إلى جعل حياة المهاجرين أكثر صعوبة.
ملف آخر: الاحتيال على المساعدات الاجتماعية
لا تقتصر الانتقادات التي توردها الصحفية على الهجرة نفسها، بل تنتقل إلى نظام المساعدات الاجتماعية الألماني.
وتذكر لاو أن وكالات العمل الألمانية سجلت أكثر من 200 ألف حالة احتيال في المساعدات خلال العام الماضي، وفق المعطيات التي تستند إليها في مقالها، وتتراوح الحالات بين عمليات احتيال فردية وأخرى منظمة.
وتورد الصحفية مثالاً من بعض البلديات في ولاية شمال الراين-وستفاليا، حيث أصبحت السلطات، بحسب وصفها، مثقلة بنظام يتعلق بمساكن قديمة مؤجرة، تتداخل فيه ادعاءات بوجود وظائف وهمية وتصريحات أبوة كاذبة من جانب بعض العائلات القادمة من أوروبا الشرقية.
وتشير إلى أن الأضرار المالية في مبنى واحد قد تصل، في بعض الحالات التي أوردتها، إلى 1.2 مليون يورو.
وترى لاو أن عدم تخصيص الحكومة، وخاصة وزيرة العمل المنتمية إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، كل ما يكفي من الجهد لمكافحة هذا النوع من الاحتيال يفسر، جزئياً، الأزمة التي يعيشها الحزب.
من «إنقاذ المهاجرين» إلى مراجعة المواقف
وتكشف ماريام لاو في الجزء الشخصي من المقال أنها شهدت بنفسها تحولاً في موقفها من قضية الهجرة.
وتروي أنها في صيف 2017 شاركت في رحلة على متن سفينة لإنقاذ اللاجئين بهدف إعداد تقرير صحفي، في وقت كانت فيه منظمات غير حكومية تواجه اتهامات بالتنسيق مع مهربي البشر.
وكان هدفها، كما تقول، التحقق بنفسها من حقيقة هذه الاتهامات.
غادرت السفينة مالطا باتجاه المياه الإقليمية الليبية، وكانت عبارة عن قارب صيد ألماني شرقي قديم جرى تحويله إلى سفينة إنقاذ.
وتصف الصحفية مشاهد قاسية عاشها طاقم السفينة، مشيرة إلى أن المهاجرين الذين يتم إنقاذهم كانوا يصلون أحياناً بعد أيام قضوها في قوارب مطاطية رخيصة، وقد أصيب بعضهم بجروح في أقدامهم.
وتقول إن الطاقم كان ينتشل أحياناً مئات الأشخاص في اليوم الواحد.
أوروبا بين الإنقاذ والحدود
خلال الرحلة، تقول لاو إن النقاشات التي دارت بين أفراد الطاقم كانت تعكس رؤية للعالم أصبحت، بحسب وصفها، شبه غائبة اليوم، ومفادها أن ثراء أوروبا مرتبط بفقر أفريقيا، وبالتالي فإن إنقاذ المهاجرين من الغرق وإعادتهم سالمين إلى أوروبا أمر عادل ومنطقي.
لكنها تشير أيضاً إلى مفارقة أخرى: فالأشخاص الذين كانوا ينتقدون بشدة الاتحاد الأوروبي وألمانيا، ويصفون أوروبا بأنها «قلعة»، كانوا في نهاية المطاف يسلمون المهاجرين الذين يتم إنقاذهم إلى سفن فرونتكس أو إلى خفر السواحل الإيطاليين.
وهذه المفارقة، بالنسبة للصحفية، تكشف مدى تعقيد قضية الهجرة، حيث تتقاطع الاعتبارات الإنسانية مع أمن الحدود والسياسات الأوروبية والقدرة الاقتصادية على الاستيعاب.
السؤال الألماني المفتوح
في نهاية المطاف، لا تقدم ماريام لاو إجابة بسيطة عن سؤال: هل لدى ألمانيا هجرة أكثر من اللازم؟
فالمقال، المنشور في «دي تسايت» يوم 20 أوت 2026 ضمن سلسلة «Deutschland spricht» – «ألمانيا تتحدث»، يضع أمام القارئ معادلة متناقضة: ألمانيا تحتاج إلى مهاجرين في سوق العمل، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالاندماج، والرقابة على الهجرة غير النظامية، والجريمة أو السلوكيات التي تقيد حريات الآخرين، إضافة إلى المخاوف المتعلقة باستغلال نظام المساعدات الاجتماعية.
وتحاول السلسلة التي تنتمي إليها المادة فتح نقاش مباشر بين أصحاب المواقف المتعارضة، من خلال جمع أشخاص يختلفون في الرأي للحوار حول قضايا مثيرة للجدل.
وبذلك يتحول السؤال من مجرد «هل ألمانيا ضد الهجرة؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن لبلد يحتاج فعلياً إلى المهاجرين أن يحدد في الوقت نفسه من يحتاج إليه، وكيف يضمن اندماجه، وكيف يواجه الهجرة غير النظامية والاحتيال والتطرف دون تحويل المهاجرين جميعاً إلى كتلة واحدة؟
المصدر: صحيفة DIE ZEIT (دي تسايت) الألمانية، مقال Mariam Lau، بعنوان «Migration nach Deutschland: Hat Deutschland zu viel Zuwanderung?»، منشور بتاريخ 20 أوت 2026 ضمن سلسلة Deutschland spricht.
الموقع: ZEIT.de – موقع صحيفة دي تسايت
الكاتبة: ماريام لاو (Mariam Lau)، محررة في القسم السياسي بصحيفة DIE ZEIT.
