من «يوم الصداقة» إلى الجزائر وبنزرت والقمح والسدود.. قصة لقاء لم تكن فيه الابتسامات وحدها
استحضرت السفارة الأمريكية في تونس، اليوم الجمعة، على صفحتها الرسمية بمنصة «إكس»، صورة تاريخية تجمع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بالرئيس الأمريكي دوايت د. أيزنهاور، بمناسبة يوم الصداقة التونسية الأمريكية، مذكّرة بأن تونس والولايات المتحدة وقعتا في 28 أوت 1797 معاهدة السلام والصداقة، التي تعد من أقدم المعاهدات الأمريكية التي ما زالت قائمة في التاريخ الدبلوماسي للولايات المتحدة.
وقالت السفارة إن صورة بورقيبة وأيزنهاور تعود إلى سنة 1959، معتبرة أنها توثق فصلاً من فصول العلاقة العريقة بين البلدين، قبل أن تشير إلى أن هذه الصداقة تواصلت عبر أكثر من قرنين، وتجسدت لاحقاً في التعاون الأمني والعسكري والتبادل التجاري والاستثماري وبرامج التبادل الأكاديمي مثل «فولبرايت».
لكن الصورة التي استحضرتها السفارة اليوم تخفي وراءها قصة أكثر تعقيداً بكثير مما توحي به لحظة المصافحة والابتسام.
ففي 17 ديسمبر 1959، لم يكن لقاء بورقيبة وأيزنهاور في المرسى مجرد محطة بروتوكولية في جولة الرئيس الأمريكي، بل كان اجتماعاً سياسياً حساساً دارت حوله ملفات الجزائر وبنزرت وفرنسا والحرب الباردة، إلى جانب مطالب تونسية تتعلق بالقمح والمساعدات الاقتصادية والسلاح والسدود والتنمية.
وتؤكد الوثائق الرسمية الأمريكية التي رفعت عنها السرية أن الرجلين التقيا في قصر بورقيبة بالمرسى صباح ذلك اليوم، بعد أن وصل أيزنهاور بالمروحية من الطراد الأمريكي يو إس إس دي موين واستقبل من قبل بورقيبة والسفير الأمريكي في تونس. وانطلقت المحادثات في حدود الساعة الثامنة صباحاً، قبل أن يغادر الرئيسان القصر حوالي العاشرة والنصف باتجاه مطار العوينة.
بورقيبة طلب الحديث على انفراد
المثير في الوثائق الأمريكية ليس ما قيل في البيان الرسمي المشترك، وإنما ما دار في الحديث الخاص بين الرجلين.
فوفق برقية سرية أعدها المقدم والترز، مترجم أيزنهاور، طلب بورقيبة أن يتحدث إلى الرئيس الأمريكي على انفراد حتى يضع أمامه ما وصفه بمخاوفه ومشاغله.
قال بورقيبة إن تونس اختارت منذ استقلالها الوقوف إلى جانب الغرب، لكنه كان يشعر بأنها تقف تقريباً وحيدة في قارة تعيش حالة من الغليان والتحرر الوطني.
وكان يرى أن استمرار بعض الدول الغربية في انتهاج سياسات استعمارية يجعل مهمته في مواجهة الشيوعيين والقوميين العرب أكثر صعوبة، خصوصاً مع تأثير إذاعة القاهرة في ذلك الوقت.
ولم يكن المقصود غامضاً.
كان بورقيبة يتحدث أساساً عن فرنسا والجزائر وبنزرت.
الجزائر.. الخلاف الذي كان يحرج تونس
كانت حرب الجزائر قد دخلت مرحلة حاسمة، وكانت فرنسا لا تزال متمسكة بالجزائر، رغم إعلان شارل ديغول في سبتمبر 1959 استعداده لمنح الجزائريين حق تقرير المصير.
لكن بورقيبة لم يكن مقتنعاً بأن الطريق سيكون سهلاً.
فبحسب الوثيقة الأمريكية، أشار إلى وجود نحو 500 ألف جندي فرنسي في الجزائر، معتبراً أن وجود هذه القوة العسكرية يجعل الحديث عن تقرير حر لمصير الجزائريين موضع شك.
وكان يخشى من وجود قوى داخل فرنسا والجيش الفرنسي تريد استمرار الحرب والحفاظ على الجزائر ضمن فرنسا.
أما أيزنهاور فكان ينظر إلى المسألة من زاوية أخرى: الولايات المتحدة كانت تريد حلاً سياسياً، لكنها في الوقت نفسه لم تكن مستعدة للمخاطرة بعلاقتها مع فرنسا، العضو الأساسي في حلف شمال الأطلسي، في ذروة الحرب الباردة.
وهنا اصطدم منطقان: بورقيبة يتحدث عن تصفية الاستعمار، وأيزنهاور يتحدث عن المحافظة على تماسك المعسكر الغربي.
وبنزرت كانت في قلب الحديث
القاعدة الفرنسية في بنزرت كانت ملفاً آخر حمله بورقيبة إلى الرئيس الأمريكي.
كان الفرنسيون يحتفظون بنحو 10 آلاف جندي في بنزرت بحجة حماية القواعد الجوية والبحرية.
لكن بورقيبة عرض على أيزنهاور حلاً وسطاً: السماح للفرنسيين بالاحتفاظ بالقواعد، على أن تتولى القوات التونسية حمايتها، مع إمكانية عودة القوات الفرنسية إليها في حالة الحرب.
وكان هدفه واضحاً: تخفيف الضغط الفرنسي على تونس وإضعاف الانتقادات التي كانت تأتيه من القاهرة والعالم العربي بسبب استمرار الوجود العسكري الفرنسي على الأراضي التونسية.
واللافت أن أيزنهاور نفسه رأى أن قيمة قاعدة عسكرية من هذا النوع أصبحت أقل بكثير في عصر الأسلحة النووية.
ثم سأل بورقيبة إن كان يعترض على أن ينقل وجهة نظره إلى الجنرال ديغول وأن يقترح عليه لقاءه.
وكان جواب بورقيبة إيجابياً بشكل فوري.
وبعد يومين فقط من زيارة تونس، كان ملف بنزرت حاضراً في حديث أيزنهاور مع ديغول في باريس؛ وتشير وثيقة أمريكية إلى أن الرئيس الفرنسي قال إنه يعتقد أن الفرنسيين يستطيعون التوصل إلى اتفاق مع بورقيبة بشأن بنزرت، وأن الانسحاب من الحامية البرية الفرنسية يمكن أن يحدث في النهاية.
لكن التاريخ سيأخذ القضية إلى مكان آخر.
فبعد أقل من عامين اندلعت أزمة بنزرت سنة 1961، وانتهى الأمر بخروج القوات الفرنسية من القاعدة، في واحدة من أهم المحطات في استكمال السيادة التونسية.
بورقيبة لم يطلب السياسة فقط.. طلب المال أيضاً
وراء الملفات الكبرى، كانت هناك مطالب عملية جداً.
بورقيبة طلب من أيزنهاور مزيداً من المساعدة الاقتصادية، مؤكداً أن تونس تحتاج إلى بناء اقتصادها بعد الاستقلال.
وتحدث عن مشاريع للسدود والري والطاقة والمياه، وعن مشروع وادي نبهانة، وحفر الآبار، وشراء الجرارات، والإسكان، وتكوين المهندسين والتقنيين.
كما طرح إمكانات تطوير قطاعات الفوسفات والبوتاس وخام الحديد، وتحدث حتى عن احتمالات وجود النفط.
وكان يريد من الولايات المتحدة دفع رئيس البنك الدولي آنذاك يوجين بلاك إلى زيارة تونس والنظر في احتياجاتها ومشاريعها.
بل إن بورقيبة كان يرى أن تونس يمكن أن تصبح نموذجاً لبقية إفريقيا إذا حصلت على الدعم الضروري لبناء اقتصادها.
حتى القمح كان على طاولة اللقاء
لم تكن التنمية وحدها في قائمة المطالب.
فقد طلب بورقيبة أيضاً كميات إضافية من القمح في إطار برامج المساعدات الأمريكية، في وقت كانت تونس تواجه احتياجات غذائية متزايدة، كما كانت تستقبل أعداداً كبيرة من اللاجئين الجزائريين.
وتحدث كذلك عن حاجات تونس العسكرية، لكنه طرح فكرة لافتة: أن يتم تخفيف العبء الذي تمثله النفقات العسكرية على الاقتصاد التونسي وتحويل جزء من الموارد نحو التنمية.
وكان رد أيزنهاور يحمل قدراً من التعاطف، إذ أبدى استعداداً للنظر في المطالب التونسية، في إطار ما تسمح به السياسة الأمريكية.
أيزنهاور يعود إلى تونس بعد 16 عاماً
كان للزيارة أيضاً بعد شخصي وتاريخي بالنسبة إلى أيزنهاور.
فالرئيس الأمريكي كان يعود إلى تونس بعد 16 عاماً من آخر وجود له فيها، عندما كان قائداً لقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية.
وفي كلمته بمطار تونس قبل مغادرته، استعاد أيزنهاور تلك الذكرى قائلاً إن آخر مرة غادر فيها تونس كانت قبل 16 عاماً وفي خضم حرب كان يعتقد أنها ستقود إلى سلام دائم.
ثم أضاف أن السلام لا يتحقق بمجرد توقف المدافع، وإنما يحتاج إلى عمل دائم وتعاون بين الدول.
وكانت الزيارة محاطة باستقبال شعبي ورسمي كبير، كما أهدى بورقيبة ضيفه الأمريكي حصاناً عربياً وغزالين، في واحدة من الصور التي بقيت مرتبطة بالزيارة.
ما قاله البيان الرسمي.. وما أخفته الوثائق
البيان المشترك الصادر بعد اللقاء كان دبلوماسياً للغاية.
تحدث الرئيسان عن الوضع الدولي، والسلام، وخفض أسباب التوتر، وعن ضرورة إيجاد حل للمشكلة الجزائرية.
كما أكدا أن تقرير مصير الشعوب الإفريقية والآسيوية يمثل أحد أهم أحداث العصر، وشددا على أهمية دعم الدول الصناعية للبلدان الساعية إلى تطوير اقتصاداتها.
لكن الوثائق السرية التي ظهرت لاحقاً تكشف أن الصورة كانت أكثر تعقيداً.
فخلف عبارات «السلام والصداقة» كانت هناك حسابات الحرب الباردة، وفرنسا، والجزائر، وبنزرت، وعبد الناصر، والنفوذ السوفياتي، والمساعدات الأمريكية، والقمح، والسلاح، والسدود والاستثمار.
كان بورقيبة يريد من واشنطن أن تساعد تونس على تثبيت استقلالها وبناء اقتصادها، وأن تضغط في اتجاه حل القضية الجزائرية وإنهاء الوجود العسكري الفرنسي.
أما أيزنهاور فكان يريد تونس مستقرة ومرتبطة بالغرب، لكنه كان في الوقت نفسه حريصاً على عدم خسارة فرنسا أو إضعاف حلف شمال الأطلسي في مواجهة الاتحاد السوفياتي.
من معاهدة 1797 إلى صورة 1959
أما الحكاية التي بدأت بها السفارة الأمريكية منشورها اليوم، أي معاهدة السلام والصداقة الموقعة في 28 أوت 1797، فهي بالفعل تعود إلى واحدة من أقدم حلقات العلاقات الأمريكية مع تونس.
وتنص المادة الأولى من المعاهدة على سلام دائم وصداقة دائمة بين الولايات المتحدة وتونس، مع تعهد الطرفين بالحفاظ على العلاقات السلمية. وقد وقع النص في تونس في 28 أوت 1797، ثم أدخلت عليه تعديلات سنة 1799 قبل أن تصادق عليه الولايات المتحدة في جانفي 1800.
ومن المفارقات أن العلاقة التي بدأت قبل أكثر من قرنين بمعاهدة بين الولايات المتحدة وإيالة تونس، عادت بعد استقلال تونس إلى الواجهة بصورة مختلفة تماماً: بورقيبة يبحث عن شريك دولي يساعد بلاده على تثبيت استقلالها، وأيزنهاور يبحث عن حليف جديد في شمال إفريقيا ضمن صراع عالمي مع الاتحاد السوفياتي.
ولهذا فإن الصورة التي نشرتها السفارة الأمريكية اليوم لا تختصر مجرد «صداقة» بين رئيسين.
إنها صورة لمرحلة كانت فيها تونس تعيد رسم موقعها في العالم، وكانت واشنطن تحاول أن تجعل من علاقتها بتونس جزءاً من استراتيجية أوسع في شمال إفريقيا.
وربما لهذا السبب تحديداً تستحق صورة بورقيبة وأيزنهاور، بعد 67 عاماً، أن تُقرأ ليس فقط من خلال ما يظهر فيها، وإنما أيضاً من خلال ما دار خلف أبواب قصر المرسى في ذلك الصباح من ديسمبر 1959.
