نشر الاتحاد الأوروبي تقريره السنوي حول حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم لعام 2025، متضمناً تقييماً مفصلاً للوضع في تونس، حمل انتقادات حادة لأوضاع الحقوق والحريات، وخاصة في ما يتعلق بحرية الصحافة والتعبير واستقلال القضاء والمجتمع المدني وملف المهاجرين.
ويأتي نشر التقرير في 28 أوت 2026، عن بعثة الاتحاد الأوروبي في تونس، ضمن التقرير السنوي الذي يستعرض أوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية في مختلف دول العالم.
وقال التقرير الأوروبي إن وضع حقوق الإنسان وسيادة القانون في تونس شهد خلال سنة 2025 تراجعاً ملحوظاً، متحدثاً عن تضييق المجال المدني وقيود متزايدة على حرية التعبير والصحافة والتجمع وتكوين الجمعيات.
الصحفيون في مقدمة الانتقادات الأوروبية
وخصص التقرير حيزاً مهماً لحرية الصحافة، مشيراً إلى تواصل ملاحقة صحفيين وإعلاميين بسبب عملهم أو آرائهم، وإلى استخدام تشريعات، من بينها المرسوم عدد 54 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، في قضايا مرتبطة بالتعبير والنشر.
ويستند التقرير في تقييمه إلى معطيات دولية، من بينها تصنيف تونس في المرتبة 129 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025، بتراجع 11 مرتبة مقارنة بالسنة السابقة.
كما أشار إلى إغلاق هيئة النفاذ إلى المعلومة في أغسطس 2025، معتبراً أن ذلك يأتي في سياق أوسع من القيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات وعلى عمل المؤسسات المستقلة.
القضاء في قلب التقرير
ولم تقتصر انتقادات الاتحاد الأوروبي على المجال الإعلامي، بل شملت أيضاً استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.
ويتحدث التقرير عن قلق أوروبي إزاء ما يعتبره تراجعاً في استقلالية القضاء واستخدام الإجراءات القضائية في قضايا سياسية، إضافة إلى قضايا طالت معارضين ومحامين ونشطاء وصحفيين.
ويأتي هذا التقييم في وقت كانت فيه منظمات حقوقية دولية قد وجهت بدورها انتقادات مماثلة. فقد قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن تونس إن السلطات واصلت تقويض استقلال القضاء واستهداف القضاة، كما انتقدت القيود المفروضة على حرية التعبير والإعلام.
المجتمع المدني والمنظمات تحت الضغط
ويرى التقرير الأوروبي أن مساحة العمل المدني في تونس واصلت الانكماش خلال 2025، مع إجراءات وتحقيقات طالت عدداً من منظمات المجتمع المدني، إلى جانب تضييقات على ناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان.
كما يربط التقرير بين هذا الوضع وبين مسار أوسع يتعلق بالحريات العامة وسيادة القانون.
المهاجرون.. ملف آخر في مرمى الانتقاد
ملف الهجرة يحتل بدوره مكانة بارزة في التقرير الأوروبي، الذي يتحدث عن استمرار الانتهاكات التي يتعرض لها مهاجرون وطالبو لجوء ولاجئون، خصوصاً من إفريقيا جنوب الصحراء.
ويشير التقرير إلى عمليات تفكيك مخيمات للمهاجرين وإجلاء أشخاص منها، فضلاً عن اتهامات تتعلق بالاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والعنف، وهي معطيات ينسب بعضها إلى مصادر ومنظمات حقوقية.
ويؤكد التقرير كذلك أن تونس لا تزال تفتقر إلى نظام وطني للجوء، في وقت تستمر فيه الإشكالات المتعلقة بتسجيل طالبي اللجوء وحمايتهم.
الاتحاد الأوروبي ينتقد.. لكنه لا يقطع التعاون
ورغم اللهجة النقدية، لا يقدم التقرير صورة عن قطيعة أوروبية مع تونس.
فالوثيقة تشير إلى استمرار الحوار السياسي بين الجانبين، وإلى إثارة الاتحاد الأوروبي مسائل حقوق الإنسان وسيادة القانون والحكم الديمقراطي مع السلطات التونسية.
كما يواصل الاتحاد تمويل عدد من البرامج المتعلقة بحقوق الإنسان والمجتمع المدني وحماية الفئات الهشة والمهاجرين، بما يؤكد أن المقاربة الأوروبية تقوم على الضغط والحوار والتمويل في الوقت نفسه.
تونس: لا تقبل بهذه الصورة عن وضع الحريات
وفي المقابل، ترفض السلطات التونسية بصورة متكررة الاتهامات المتعلقة بوجود تراجع ممنهج في حرية الصحافة أو باستهداف الصحفيين بسبب آرائهم، وتؤكد أن القضاء يعمل باستقلالية وأن الملفات المعروضة أمام المحاكم تتعلق بأفعال وجرائم ينص عليها القانون، وليست بمحاكمات بسبب المواقف السياسية أو الصحفية.
كما تؤكد تونس أن حرية الصحافة والتعبير مكفولة دستورياً، وأن المرسوم 54 لا يستهدف الصحفيين أو أصحاب الآراء، وإنما يهدف إلى مكافحة الجرائم الإلكترونية ونشر الأخبار الزائفة والإشاعات التي يمكن أن تمس حقوق الأفراد أو الأمن العام.
وفي ما يتعلق بالقضاء، تؤكد السلطات التونسية أن القضاء مستقل وأن القضاة يحكمون وفق القانون، وأن الحديث عن تدخل السلطة التنفيذية في المسار القضائي لا يعكس، وفق الموقف الرسمي، حقيقة عمل المؤسسات القضائية.
وبذلك يضع التقرير الأوروبي تونس أمام مقاربة مختلفة جذرياً عن الرواية الرسمية: الاتحاد الأوروبي يرى مساراً متصاعداً من التضييق على الحريات واستقلال القضاء، بينما تؤكد السلطات التونسية أن الأمر يتعلق بتطبيق القانون ومكافحة الجرائم وحماية مؤسسات الدولة، وأن الحريات الأساسية لا تزال مضمونة.
