شهدت إسطنبول تحركاً أمام القنصلية التونسية، وفق ما تم تداوله، للمطالبة بالإفراج عن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، مع رفع مطالب بتوفير الرعاية الصحية اللازمة له وتمكينه من التواصل مع أفراد أسرته.
ويأتي هذا التحرك في وقت عاد فيه الوضع الصحي للغنوشي إلى واجهة الاهتمام، بعد تداول معلومات خلال الأيام الماضية بشأن تعرضه لوعكة صحية ونقله إلى المستشفى، وسط تصريحات من عائلته وهيئة الدفاع تحدثت عن صعوبات في التواصل معه وعن مخاوف بشأن وضعه الصحي.
غير أن هذه الرواية تقابلها رواية رسمية تونسية مختلفة.
ماذا قالت هيئة السجون؟
في 27 جويلية الماضي، أصدرت الهيئة العامة للسجون والإصلاح بلاغاً توضيحياً على خلفية ما تم تداوله بشأن الوضع الصحي لبعض المساجين، ومن بينهم راشد الغنوشي، في ظل موجة الحر الاستثنائية التي شهدتها تونس.
وأكدت الهيئة أنها اتخذت «جميع الإجراءات المستوجبة» داخل الوحدات السجنية من حيث ظروف الإقامة والرعاية الصحية، ونفت ما يتم تداوله بشأن تدهور الحالة الصحية لبعض المساجين بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
كما نفت الهيئة ما راج بشأن حرمان ذوي المساجين ومحاميهم من زيارتهم، مؤكدة أن جميع المودعين يحظون بالرعاية الصحية وفق التراتيب الجاري بها العمل، من خلال الإطار الطبي وشبه الطبي داخل الوحدات السجنية، وأن الحالات التي تستوجب تدخلاً متخصصاً يتم توجيهها إلى المؤسسات الاستشفائية العمومية.
وبذلك، فإن الرواية الرسمية لا تؤكد وجود وضع صحي استثنائي للغنوشي ناجم عن ظروف الإقامة داخل السجن أو موجة الحر، كما لا تقر بوجود منع عام لعائلته ومحاميه من زيارته.
في المقابل.. ماذا تقول عائلة الغنوشي وهيئة الدفاع؟
في الجهة المقابلة، تحدثت عائلة الغنوشي وهيئة الدفاع عنه عن تدهور في وضعه الصحي، وأثارت مسألة صعوبة الوصول إليه والحصول على معلومات مباشرة حول حالته.
وكانت تقارير إعلامية قد تحدثت عن نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج قبل إعادته إلى السجن، فيما نقلت وكالة الأناضول عن أحد محاميه أن الغنوشي أمضى أكثر من 11 يوماً في المستشفى، وأن تدهوراً صحياً طرأ عليه خلال فترة إيداعه بالسجن استوجب نقله إلى المستشفى العسكري.
وهنا تظهر أهمية الفصل بين المعلومة المؤكدة رسمياً وبين المعطيات التي تقدمها عائلته وهيئة الدفاع عنه، خصوصاً أن الملف يتعلق بسجين يبلغ من العمر 85 عاماً وبوضع صحي أصبح محل اهتمام سياسي وحقوقي خارج تونس.
لماذا تتحرك جهات في تركيا؟
ليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها تركيا تحركات مرتبطة بملف الغنوشي. فقد سبق أن نظمت منظمات تركية وقفة أمام القنصلية التونسية في إسطنبول للمطالبة بالإفراج عنه، كما شهدت تركيا في ماي 2026 تحركاً حقوقياً وقانونياً تناول قضية الغنوشي وطالب بالإفراج عنه.
وتعود أهمية تركيا بالنسبة إلى هذا الملف أيضاً إلى المواقف التي صدرت عنها منذ اعتقال الغنوشي في أفريل 2023، عندما أعربت وزارة الخارجية التركية عن قلقها من اعتقال شخصيات سياسية تونسية، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات لا تساعد على تحقيق السلم الاجتماعي في تونس.
ملف الغنوشي بين القضاء والسياسة والاعتبارات الإنسانية
يقضي الغنوشي، الذي كان رئيساً لحركة النهضة ورئيساً سابقاً لمجلس نواب الشعب، عقوبات وأحكاماً قضائية في عدد من الملفات، في وقت تؤكد السلطات التونسية أن القضايا المعروضة أمام القضاء تندرج في إطار المسار القضائي، بينما يعتبر أنصاره وهيئة الدفاع عنه أن ملاحقته ذات خلفية سياسية.
وبالتوازي مع ذلك، أصبح وضعه الصحي عنصراً جديداً في الجدل، خصوصاً بعد نقله إلى المستشفى وتضارب المعطيات بشأن ظروفه الصحية وموضوع الزيارات.
وعليه، فإن التحرك الذي قيل إنه شهدته إسطنبول لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع: دعوات خارج تونس إلى الإفراج عن الغنوشي، ومطالب بتوفير الرعاية الصحية له، في مقابل تأكيد رسمي تونسي بأن السجناء يحصلون على الرعاية الصحية وفق القانون، ونفي وجود تدهور صحي ناجم عن موجة الحر أو منع عام للزيارات.



