الرئيسية آخر الأخبار في تونس سنة 2026.. البريد يعجز عن إرسال كتاب إلى الخارج!

في تونس سنة 2026.. البريد يعجز عن إرسال كتاب إلى الخارج!

0
2
blank

«لا نملك الكود».. جملة تختصر مشهداً صادماً في مركز بريد تونسي: كتاب يتحول إلى معضلة إدارية، وموظفون يبحثون في الحاسوب عن «كود» مفقود لإرسال إرسالية مضمونة الوصول إلى الخارج

في الوقت الذي دخل فيه العالم مرحلة جديدة من التكنولوجيا، وأصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة الكتب وترجمتها وإرسالها رقمياً إلى أقصى نقطة في العالم خلال ثوانٍ، تبدو بعض الإجراءات اليومية في تونس وكأنها عالقة في زمن آخر.

المشهد الذي نقلته الكاتبة حفيظة كربابين في شهادة نشرتها يوم الجمعة 7 أوت، يكشف مفارقة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال: محاولة إرسال كتاب ورقي إلى الخارج عبر البريد التونسي تحولت إلى رحلة طويلة بين مكاتب البريد، انتهت من دون إرسال الكتاب.

القصة بدأت بمحاولة إرسال إرسالية مضمونة الوصول إلى الخارج تحتوي كتاباً.

لكن الرد كان: «لا نملك الكود».

وبحسب الشهادة، طلبت الموظفة من صاحبة الإرسالية العودة بعد أيام أو التوجه إلى مركز بريد آخر، قبل أن تتكرر المحاولة في مراكز بريد مختلفة بالمدينة، من دون الوصول إلى حل.

المفارقة الأكبر جاءت عندما حاولت الموظفات البحث عن الرمز المطلوب في النظام المعلوماتي.

وبحسب الشهادة، دار نقاش داخل المركز حول طبيعة محتوى الإرسالية، قبل أن يتم البحث في الحاسوب عن التصنيف المناسب للكتاب.

ثم جاءت العبارة الأكثر إثارة للدهشة: «لا يوجد كود لإرسال كتب».

هنا لم تعد المسألة، بالنسبة إلى صاحبة الشهادة، مجرد عطب تقني أو إجراء إداري معقد، بل تحولت إلى سؤال أكبر حول قدرة الإدارة العمومية على مواكبة أبسط حاجات المواطن في عصر التكنولوجيا.

فكيف يمكن في سنة 2026، وفي بلد يعيش منذ سنوات على وقع التحول الرقمي والحديث عن الإدارة الإلكترونية، أن تتحول عملية إرسال كتاب ورقي إلى الخارج إلى مهمة شاقة تتطلب البحث عن «كود»؟

وكيف يمكن أن يصبح الكتاب، وهو من أبسط الأشياء التي يمكن إرسالها عبر البريد، خارج منظومة التصنيف أو غير متاحاً ضمن الإجراءات المعلوماتية المعتمدة في بعض المراكز؟

الأغرب أن صاحبة الشهادة تقول إنها حاولت أكثر من مرة، وعلى مدى أكثر من شهر، اللجوء إلى مراكز بريد مختلفة، لكنها لم تتمكن من إرسال كتابها.

وفي نهاية المحاولة، اختفى الكتاب داخل ظرفه، فيما بقيت صاحبة الإرسالية تنتظر أمام الشباك بحثاً عن حل لا يبدو أنه موجود.

المشهد يكشف مشكلة أكبر من كتاب

إذا صحت تفاصيل هذه الواقعة، فإنها تطرح أسئلة تتجاوز حالة فردية.

فالمشكلة لا تتعلق فقط بإرسال كتاب إلى الخارج، وإنما بمدى جاهزية منظومة الخدمات البريدية للتعامل مع احتياجات المواطنين في سنة 2026.

العالم اليوم يتجه نحو الخدمات الفورية والرقمنة والذكاء الاصطناعي، بينما يجد مواطن نفسه أمام شباك إداري عاجز عن تحديد الرمز المطلوب لإرسال كتاب.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل المشكلة في الموظف الذي يقف أمام المواطن، أم في النظام المعلوماتي، أم في الإجراءات، أم في التكوين، أم في الإدارة التي لم توفر الأدوات اللازمة لموظفيها؟

فالموظف الموجود خلف الشباك قد لا يكون مسؤولاً عن غياب الرمز من النظام، وقد لا يملك القدرة على تغييره. لكن المواطن في النهاية لا يتعامل مع النظام المعلوماتي ولا مع الإدارة المركزية، وإنما مع الموظف الذي يقف أمامه.

وهذا هو جوهر الأزمة: عندما يفشل النظام، يتحول الموظف إلى واجهة للفشل، ويتحول المواطن إلى ضحية للانتظار.

الكتاب الذي هزم النظام

أكثر ما يثير الصدمة في هذه القصة أن الأمر لا يتعلق بطرد ضخم أو مادة مجهولة أو إجراء معقد.

إنه كتاب.

كتاب داخل ظرف.

ومع ذلك، لم يتمكن النظام من العثور على الطريقة المناسبة لإرساله إلى بلد آخر.

في زمن يستطيع فيه طفل إرسال صورة أو ملف أو كتاب إلكتروني إلى شخص في قارة أخرى خلال ثوانٍ، تبدو الصورة شديدة التناقض: كتاب ورقي يحتاج إلى رحلة بين مراكز البريد، وبحث في الحاسوب، وانتظار، ثم عودة إلى نقطة الصفر.

ولعل السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الواقعة ليس «أين الكود؟»، وإنما:

أين المسؤولية؟

ومن المسؤول عن التأكد من أن الخدمات البريدية الأساسية تعمل فعلاً؟

ومن يراجع الأنظمة المعلوماتية ويحدثها؟

ومن يتأكد من أن موظفي مراكز البريد يمتلكون المعلومات والإجراءات اللازمة لتقديم الخدمة؟

ومن يشرح للمواطن لماذا يستطيع العالم اليوم إرسال كل شيء تقريباً بضغطة زر، بينما لا يستطيع هو إرسال كتاب من مركز بريد إلى الخارج؟

هذه الأسئلة لا تستهدف موظفي البريد بقدر ما تستهدف منظومة الإدارة والخدمات العمومية بأكملها.

فإذا كانت الواقعة مجرد خلل تقني في مركز واحد، فإن الحل بسيط: إصلاح الخلل.

أما إذا كانت المشكلة تتكرر في أكثر من مركز، وعلى مدى أسابيع، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة ويستحق تفسيراً من الجهة المسؤولة.

تونس في 2026.. المفارقة التي تختصرها حكاية كتاب

ربما لا تحتاج أزمة الإدارة الرقمية في تونس إلى تقرير طويل كي تُفهم.

ربما يكفي ظرف صغير يحتوي كتاباً.

وصفّ انتظار.

وموظفة تبحث في الحاسوب.

وكلمة واحدة تتكرر:

«لا نملك الكود».

وفي زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة كتاب كامل، وترجمته إلى عشرات اللغات، وإرساله إلكترونياً إلى أي مكان في العالم، تبدو المفارقة قاسية:

التكنولوجيا وصلت إلى المستقبل.. لكن الكتاب الورقي ما زال يبحث عن طريق للخروج من مركز البريد.

ويبقى السؤال الذي طرحته صاحبة الشهادة في ختام تجربتها مفتوحاً أمام الإدارة البريدية:

هل وصل بنا الأمر فعلاً إلى العجز عن إرسال كتاب إلى الآخر؟ ومن المسؤول عن كل هذا التعطيل؟