وفاة شاب عشريني داخل سجن المرناقية بعد أشهر من الإيقاف ووسط حديث دفاعه عن وضع صحي خاص وظروف سجنية صعبة.. والمحامي كريم مرزوقي يطالب بكشف الحقيقة كاملة وترتيب المسؤوليات
«توجّهت صباحاً للمرناقية لزيارة منوّبي فإذا بي أحضر جنازته في المساء».
بهذه العبارة أعلن المحامي كريم مرزوقي وفاة أحد منوّبيه، وهو شاب في العشرينات من عمره توفي يوم الجمعة 28 أوت 2026 داخل السجن، قبل أن يصل خبر وفاته إلى محاميه وعائلته، وفق رواية الدفاع، إلا يوم الاثنين 31 أوت.
القضية لا تتعلق فقط بوفاة موقوف، بل تطرح، وفق المعطيات التي قدمها محاميه، أسئلة حول ظروف إيقافه، ومسار التحقيق معه، ووضعه الصحي، والظروف التي كان يعيشها داخل السجن خلال فترة تزامنت مع موجة حرارة استثنائية.
من طالب ماجستير إلى موقوف ثم إلى جثمان
يقول مرزوقي إن منوّبه كان شاباً «متميزاً جداً في دراسته الجامعية»، وكان قد قطع أشواطاً في إعداد مذكرة ماجستير في اختصاص الإنجليزية والترجمة.
وبحسب رواية المحامي، كان الشاب يتعرض باستمرار للتنمر من أقرانه، قبل أن تتطور حادثة مع مجموعة منهم إلى تتبع قضائي بشبهة جنائية انتهى بإيداعه السجن في بداية شهر ماي.
لكن الدفاع يطرح اليوم أسئلة حول سير التحقيق، إذ يقول المحامي إن منوّبه لم يقع استنطاقه وتمكين دفاعه من الترافع في شأنه إلا بعد أكثر من شهر من الإيداع، فيما حُدد موعد للمكافحة بعد ذلك، قبل أن لا تتم في الموعد المحدد ودون تحديد موعد جديد، وفق روايته.
ويؤكد مرزوقي أن الملف ظل، بحسب تقديره، دون استكمال عدد من الأعمال الاستقرائية، من بينها المكافحة والفحص الطبي النفسي الذي كان الدفاع قد طالب به منذ الأسبوع الأول من الإيقاف.
«حالته الصحية كانت تتدهور»
الأخطر في رواية الدفاع يتعلق بالحالة الصحية للشاب.
فقد أكد محاميه أنه تقدم بمطلب للإفراج عنه، مستنداً من بين أسباب أخرى إلى حاجته إلى متابعة طبية خاصة، محذراً في المطلب من أن استمرار إيقافه قد يؤدي إلى مزيد تعكير حالته الصحية.
كما أشار إلى أن وصفة طبية صادرة عن مستشفى الرازي كانت تتضمن تناول أدوية على جرعتين، في حين كان منوّبه يتلقاها مرة واحدة يومياً، وفق ما قال إنه تلقاه من إدارة السجن عند الاستفسار عن الأمر.
ورفض مطلب الإفراج، وهو قرار يقول المحامي إنه لا يريد مناقشة تقديره القضائي، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً حول كيفية التعامل مع الوضع الصحي لموقوف كان يحتاج، وفق دفاعه، إلى متابعة خاصة.
الحرارة والاكتظاظ.. «كان يحدثني عن ظروف سجنه»
ويقول المحامي إن الشاب كان يتحدث معه خلال زياراته عن الحرارة الشديدة والاكتظاظ داخل السجن.
ويضيف مرزوقي: «لم أكن أواجهه إلا بعبارة: تلك هي الظروف حاول أن تستحمل».
ثم يستدرك: «ولكن بالنهاية بدنه لم يستحمل ومات».
هذه الرواية تضع ظروف الإيداع داخل السجن تحت المجهر، خصوصاً أن الوفاة حصلت خلال فترة شهدت فيها تونس درجات حرارة استثنائية.
من يتحمل المسؤولية؟
السؤال الذي يطرحه الدفاع الآن لا يتعلق فقط بسبب الوفاة، وإنما بظروفها أيضاً.
هل يتعلق الأمر بوضع صحي سابق تطور داخل السجن؟ وهل تلقى المتوفى العلاج والمتابعة التي كانت تستوجبها حالته؟ وهل كانت ظروف الإيداع ملائمة لوضعه الصحي؟ وهل تم اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحرارة والاكتظاظ؟
أسئلة لا يمكن حسمها بالتصريحات وحدها، وإنما تتطلب بحثاً قضائياً مستقلاً يكشف ظروف الوفاة ويحدد إن كان هناك تقصير أو إهمال، ومن يتحمل مسؤوليته في حال ثبوته.
وأكد مرزوقي أنه سيعمل على فتح هذا الملف والوصول إلى «الحقيقة كاملة» وترتيب المسؤوليات عن كل تقصير أو إهمال.
ماذا تقول إدارة السجون؟
في المقابل، تؤكد الهيئة العامة للسجون والإصلاح، في بلاغاتها المتعلقة بظروف الإقامة والرعاية الصحية، أن المودعين بالسجون يحظون بالرعاية الصحية اللازمة، وأن الحالات التي تستوجب فحوصات أو متابعة متخصصة يتم توجيهها إلى المؤسسات الصحية العمومية المختصة.
كما تؤكد الهيئة اتخاذ جملة من الإجراءات للتعامل مع الظروف المناخية وارتفاع درجات الحرارة، مع متابعة الوضعيات الصحية للمودعين.
وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى معرفة ما إذا كانت حالة هذا الشاب قد حظيت فعلاً بالإجراءات والمتابعة التي تستوجبها حالته، وما إذا كانت ظروف وفاته تتطابق مع الرواية الرسمية للرعاية الصحية وظروف الإقامة داخل السجن.
«وحيد أمه.. كانت تعد له القفة»
ويختم المحامي روايته بتفصيل إنساني شديد القسوة: الشاب كان وحيد أمه، التي وصلها خبر وفاته، وفق روايته، صباح الاثنين بينما كانت تستعد لإعداد «القفة» لابنها.
ويقول مرزوقي إنه لا يستطيع إعادة منوّبه إلى الحياة، وقد أصبح بالنسبة إليه بمثابة «شقيق أصغر»، لكنه يعاهد على ألا تتحول وفاته إلى مجرد رقم في سجل الوفيات داخل السجون.
وبين رواية الدفاع التي تتحدث عن وضع صحي خاص وظروف إيداع صعبة، والتأكيد الرسمي على ضمان الرعاية الصحية اللازمة للمودعين، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة البحث الذي يجب أن يحدد أسباب الوفاة وظروفها وما إذا كانت قد رافقتها أي إخلالات أو تقصير.
