الرئيسية آخر الأخبار النائب عماد أولاد جبريل ينتقد أرباح البنوك… لكن أين الأرقام؟

النائب عماد أولاد جبريل ينتقد أرباح البنوك… لكن أين الأرقام؟

0
946
blank

أثار النائب عماد أولاد جبريل نقاشًا واسعًا بعد تدوينته التي انتقد فيها ارتفاع أرباح البنوك في وقت يمر فيه الاقتصاد بفترة صعبة، معتبرًا أن تحقيق القطاع المالي نتائج قياسية مقابل تراجع الاستثمار وتدهور القدرة الشرائية يعكس خللًا في توجيه الموارد داخل الاقتصاد.

غير أن هذا الطرح، رغم أهمية الأسئلة التي يثيرها حول علاقة القطاع البنكي بالاقتصاد الحقيقي، يطرح بدوره سؤالًا أساسيًا: أين هي الأرقام والمعطيات الدقيقة التي بُنيت عليها هذه الاستنتاجات؟

ففي القضايا الاقتصادية الكبرى، وخاصة عندما يتعلق الأمر بأداء قطاع مالي كامل، لا تكفي الانطباعات العامة أو المقارنات بين أرباح البنوك وصعوبات المواطنين والمؤسسات. فالأرقام تبقى الفيصل، لأنها وحدها قادرة على تحديد طبيعة العلاقة بين أرباح البنوك ووضع الاقتصاد.

فالحديث عن « أرباح قياسية » يفترض تقديم معطيات واضحة: ما حجم تطور أرباح البنوك خلال السنوات الأخيرة؟ هل ارتفعت الأرباح بالقيمة الحقيقية بعد احتساب التضخم؟ ما نسبة هذه الأرباح مقارنة بحجم الموجودات ورؤوس الأموال؟ وهل جاءت أساسًا من تمويل الاقتصاد أم من أنشطة أخرى مثل تمويل الدولة أو العمولات والخدمات؟

كما أن القول بأن البنوك تحقق أرباحًا بينما « يخسر الاقتصاد الحقيقي » يحتاج إلى تفكيك علمي. فالبنوك قد تحقق أرباحًا في فترات صعبة لأسباب متعددة، منها ارتفاع أسعار الفائدة، أو تغير تركيبة الودائع والقروض، أو ارتفاع الطلب على بعض الخدمات المالية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل الأرباح ناتجة عن استنزاف للاقتصاد أو على حساب الاستثمار.

وفي المقابل، فإن الانتقادات المتعلقة بضعف تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وصعوبة حصول المستثمرين على التمويل، وارتفاع كلفة الاقتراض، هي قضايا مطروحة في الاقتصاد التونسي وتحتاج بدورها إلى مؤشرات دقيقة: نسبة القروض الموجهة للاستثمار، نسبة القروض الموجهة للاستهلاك، تطور تمويل المؤسسات، ومقارنة كلفة التمويل بمعدلات النمو.

فالاقتصاد، كما يؤكد المختصون، لا يُدار بالشعارات بل بالبيانات. وإذا كان هناك خلل في دور القطاع البنكي، فإن إثباته يمر عبر الأرقام: حجم التمويل الموجه للقطاعات المنتجة، نسبة مساهمة البنوك في الاستثمار، تطور القروض المتعثرة، ومردودية القطاع مقارنة بمردودية بقية القطاعات.

ولا خلاف حول أن وظيفة البنوك الأساسية ليست تحقيق الأرباح فقط، بل المساهمة في تمويل التنمية وتحريك الاستثمار. لكن تقييم مدى قيامها بهذا الدور يحتاج إلى معطيات موثوقة، لا إلى أحكام عامة.

لذلك فإن السؤال الذي يبقى مطروحًا أمام النائب عماد أولاد جبريل هو: ما هي الأرقام التي تثبت أن أرباح البنوك جاءت على حساب الاقتصاد المنتج؟ وما هي المؤشرات التي تؤكد أن القطاع المالي أصبح منفصلًا عن حاجيات التنمية؟

ففي الملفات الاقتصادية الحساسة، وخاصة في موضوع البنوك والتمويل، يبقى صوت الأرقام أعلى من كل التحليلات، لأنها وحدها القادرة على تحويل النقد من موقف سياسي إلى تشخيص اقتصادي قابل للنقاش.