في وقت أعلنت فيه وزارة الصحة تسجيل 633 حالة استشارة وتكفّل صحي مرتبطة بتداعيات موجة الحر منذ الأول من جويلية إلى 29 أوت 2026، تتصاعد التحذيرات من الضغط الكبير الذي تواجهه أقسام الاستعجالي في عدد من الجهات، وسط دعوات إلى فتح تحقيقات عاجلة في ظروف التكفل بالمرضى والوفيات التي قد تكون مرتبطة بالحرارة المرتفعة وانقطاع الكهرباء.
وأعلنت الجمعية التونسية لطب الاستعجالي، السبت 29 أوت 2026، دعوة مختلف أقسام المؤسسات الصحية إلى تعزيز تعبئتها لمواجهة الضغط الذي تشهده أقسام الاستعجالي، مطالبة بتوفير مزيد من أسرة الإقامة وتسهيل توجيه المرضى نحو مختلف الأقسام الطبية، بهدف الحد من الاكتظاظ وتخفيف الضغط عن الفرق الطبية وشبه الطبية.
ووصفت الجمعية الوضع بأنه «استثنائي»، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتوافد أعداد كبيرة من المرضى على أقسام الاستعجالي، مؤكدة دعمها للأطقم الطبية والاستشفائية وما قبل الاستشفائية التي تواصل العمل لتأمين التكفل بالمرضى، خاصة الحالات المستعجلة والخطيرة.
الأطباء يحذرون من ارتفاع «غير مسبوق» في الوفيات
ويتزامن ذلك مع تحذير أطلقته منظمة الأطباء الشبان التونسية، التي تحدثت عن ارتفاع «غير مسبوق» في الوفيات وحالات الاستشفاء المرتبطة بضربات الشمس وارتفاع درجات الحرارة.
وقالت المنظمة إن أقسام الاستعجالي تشهد ضغطًا كبيرًا، كما تحدثت عن تسجيل وفيات في صفوف سجناء داخل عدد من أقسام الاستعجالي، دون تقديم أرقام أو تفاصيل إضافية.
وأشارت المنظمة كذلك إلى أن الأطباء والممرضين يعملون في ظروف من «الإرهاق الشديد»، معتبرة أن الضغط المسجل يتجاوز، وفق تقديرها، قدرات المنظومة الصحية.
وطالبت منظمة الأطباء الشبان بالإعلان الفوري عن حالة طوارئ صحية، كما أشارت إلى أن المصالح المختصة بوزارة الصحة قامت، بحسب معلوماتها، بإحصاء الوفيات وحالات ضربات الشمس وقدرات الاستقبال في أقسام الإنعاش، لكنها انتقدت عدم نشر حصيلة رسمية مفصلة.
فاطمة المسدي: ما شاهدته في استعجالي صفاقس «صادم»
وفي تطور جديد، قالت النائبة فاطمة المسدي إنها قامت اليوم السبت بزيارة ميدانية إلى قسم الاستعجالي بمستشفى الحبيب بورقيبة بصفاقس، ووصفت ما عاينته داخل القسم بـ**«الصادم»**، في ظل اكتظاظ كبير وظروف صعبة يعيشها المرضى، إلى جانب الضغط المتواصل الذي يواجهه الإطار الطبي وشبه الطبي.
وأفادت المسدي بأنها تلقت خلال الزيارة شهادات من عدد من المواطنين ومرافقي المرضى تفيد بوجود حالات وفاة، خاصة في صفوف كبار السن، قالت إن حالتهم الصحية تدهورت نتيجة درجات الحرارة المرتفعة خلال موجة الحر الأخيرة وانقطاع الكهرباء.
وشددت النائبة على أنها «لا تستبق التحقيق الطبي»، معتبرة في المقابل أن المعطيات التي بلغتها تستوجب فتح تحقيق عاجل لتحديد أسباب الوفيات والظروف الصحية التي رافقتها.
سؤال حول خطة الطوارئ في صفاقس
وانتقدت المسدي ما وصفته بغياب خطة واضحة للتعامل مع الضغط الاستثنائي الذي يواجهه قسم الاستعجالي، متسائلة عن أسباب ترك قسم استعجالي واحد في ولاية بحجم صفاقس يواجه هذا العدد الكبير من المرضى في ظل موجة حر استثنائية وأزمة في التزود بالكهرباء.
كما تساءلت عن أسباب عدم استغلال إمكانيات المستشفى العسكري، وعدم تركيز مستشفى ميداني أو فضاء استعجالي مؤقت يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط عن مستشفى الحبيب بورقيبة وضمان التكفل بالمرضى في ظروف أفضل.
وقالت المسدي إن إدارة الأزمات الصحية تستوجب التحرك قبل بلوغ المستشفيات مرحلة الانهيار، معتبرة أن الوضع الذي يشهده استعجالي الحبيب بورقيبة «ليس أمرًا عاديًا».
وطالبت النائبة بتحديد المسؤوليات ومساءلة الجهات المعنية عن ظروف التكفل بالمرضى، خاصة خلال الأزمات المناخية والكهربائية التي تضاعف الضغط على المؤسسات الصحية.
وأكدت أن «حياة الناس ليست مجالًا للارتجال»، داعية إلى التعامل مع الوضع الصحي في صفاقس باعتباره مسألة تستوجب تدخلًا عاجلًا.
وزارة الصحة: 633 حالة دون اضطراب في الخدمات
في المقابل، أكدت وزارة الصحة أن الوضع الصحي المرتبط بارتفاع درجات الحرارة تتم متابعته بالتنسيق مع الهياكل الصحية الجهوية، معلنة تسجيل 633 حالة استشارة وتكفّل صحي مرتبطة بتداعيات موجة الحر خلال الفترة الممتدة من الأول من جويلية إلى 29 أوت.
وقالت الوزارة إنه لم يتم تسجيل أي حالات تعطّل في استمرارية الخدمات، مؤكدة تفعيل آليات التنسيق والمتابعة على المستويين المحلي والجهوي، وتعبئة الموارد الضرورية وفق تطور الوضع.
كما دعت إلى تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، والإكثار من شرب الماء، وإيلاء عناية خاصة لكبار السن والأطفال والمصابين بالأمراض المزمنة، والتوجه إلى أقرب مؤسسة صحية عند ظهور علامات الإجهاد الحراري.
بين الأرقام الرسمية والشهادات الميدانية.. أسئلة تنتظر الإجابة
وتضع هذه المعطيات المتباينة ملف التداعيات الصحية لموجة الحر في تونس أمام أسئلة عديدة، خاصة في ظل عدم نشر حصيلة رسمية مفصلة للوفيات وحالات الاستشفاء والإنعاش المرتبطة بالحرارة.
فالرقم الرسمي المعلن إلى حد الآن هو 633 حالة استشارة وتكفّل صحي، في حين تتحدث منظمة الأطباء الشبان عن ارتفاع «غير مسبوق» في الوفيات والاستشفاء، وتدعو جمعية طب الاستعجالي إلى توفير أسرة إضافية لتخفيف الضغط على أقسام الطوارئ.
أما في صفاقس، فقد انتقلت المسألة إلى مستوى آخر مع شهادة النائبة فاطمة المسدي التي تحدثت عن حالات وفاة بلغتها خلال زيارتها الميدانية، مع تأكيدها أنها لا تستبق التحقيق الطبي.
ويبقى السؤال الأهم مطروحًا: كم بلغ العدد الحقيقي للوفيات وحالات الاستشفاء المرتبطة بموجة الحر؟ وهل توجد علاقة مباشرة بين بعض الوفيات المسجلة وارتفاع درجات الحرارة أو انقطاع الكهرباء؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تظل مرتبطة بفتح تحقيق طبي ونشر حصيلة رسمية مفصلة، وهو ما من شأنه وضع حد للتضارب في المعطيات وتحديد حقيقة الوضع الصحي الذي عاشته تونس خلال موجة الحر الأخيرة.
