الرئيسيةآخر الأخبارتقرير -شبح إنقطاع الكهرباء يخيم على صائفة 2027: هل تستعد تونس لصيف...

تقرير -شبح إنقطاع الكهرباء يخيم على صائفة 2027: هل تستعد تونس لصيف أكثر صعوبة؟

6400 ميغاواط من الاستهلاك في صائفة 2026، وعجز في حدود 1550 ميغاواط في فترات الذروة، ومشاريع جديدة لم يتضح بعد إن كانت ستدخل جميعها حيز الاستغلال قبل حلول الصيف المقبل. هذه هي المعادلة التي تجد تونس نفسها أمامها وهي تستعد لصائفة 2027.

لم يكد التونسيون ينسون ما عاشوه خلال صائفة 2026 من اضطرابات في التزود بالكهرباء، حتى عاد السؤال نفسه ليطرح نفسه من جديد: هل تستطيع البلاد تأمين حاجياتها من الكهرباء خلال الصيف المقبل، أم أننا مقبلون على تكرار المشهد ذاته؟

السؤال ليس من باب التخويف أو التشاؤم. فالأرقام التي كُشف عنها خلال الأشهر الأخيرة، وما أعلنه المسؤولون من مشاريع جديدة، وما حذّر منه المختصون في قطاع الطاقة، كلها تدفع إلى التعامل مع هذا الاحتمال بجدية.

وفي الحقيقة، علينا أن نفهم قبل ذلك أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع درجات الحرارة أو بالضغط الاستثنائي الذي تعرفه الشبكة في جويلية وأوت. هناك مشكلة أعمق تتعلق بقدرة المنظومة الكهربائية على مواكبة ارتفاع الاستهلاك، وبمدى جاهزية المحطات الموجودة، وبطء إنجاز المشاريع الجديدة.

6400 ميغاواط… عندما تجاوز الاستهلاك قدرة المنظومة

من الأرقام التي ينبغي التوقف عندها أن الطلب على الكهرباء في تونس بلغ خلال صائفة 2026 نحو 6400 ميغاواط، مقابل 5175 ميغاواط خلال الفترة المماثلة من سنة 2025.

نحن إذن أمام زيادة تناهز 1225 ميغاواط في سنة واحدة، أي ما يقارب 24 بالمائة. وهذه زيادة كبيرة تكشف حجم الضغط الذي أصبحت تواجهه المنظومة الكهربائية، خصوصاً مع الانتشار المتزايد للمكيفات وارتفاع درجات الحرارة.

وفي 24 جويلية الماضي، تحدث ممثل عن الجامعة العامة للكهرباء والغاز عن قدرة متاحة لم تتجاوز 4400 ميغاواط مقابل طلب بلغ نحو 6000 ميغاواط، أي فجوة تقدر بحوالي 1600 ميغاواط.

كما قدمت وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، خلال مناقشة ميزانية الوزارة يوم 3 نوفمبر الجاري، معطيات تشير إلى أن القدرة المتاحة بلغت نحو 4450 ميغاواط، مقابل طلب وصل إلى 6000 ميغاواط خلال فترات الذروة.

هذه الأرقام، وإن اختلفت بحسب توقيت القياس والظروف التشغيلية، تؤكد حقيقة واحدة: هامش الأمان الذي يفترض أن تتمتع به المنظومة الكهربائية التونسية أصبح محدوداً للغاية.

والأمر لا يتعلق فقط بإنتاج الكهرباء، بل بالقدرة على توفيرها في اللحظة التي يحتاج إليها المواطن والمؤسسة والمستشفى والمصنع.

الحكومة تعد … ولكن

في مواجهة هذه الوضعية، أعلنت الحكومة خلال أكتوبر الماضي عن جملة من التدابير التي يفترض أن تساعد على تفادي تكرار أزمة الصيف.

وتشمل هذه التدابير تحسين مردودية عدد من المحطات الموجودة، من خلال تركيب أنظمة لتبريد الهواء الداخل إلى التوربينات، وإضافة توربين غازي بمحطة برج العامري، واقتناء محركات جديدة تعمل بالغاز، إلى جانب إعادة تشغيل بعض الوحدات وتطوير إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية.

وبحسب الأرقام التي أعلنتها الحكومة، يتعلق الأمر بتوربين جديد بقدرة 300 ميغاواط، ومحركات غازية بقدرة 200 ميغاواط، وإعادة تشغيل محطتي كشطة ومكثر بقدرة إجمالية معلنة تبلغ 190 ميغاواط، فضلاً عن تحسين أداء المحطات القائمة وإضافة قدرات جديدة من الطاقة الشمسية.

لكن هنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: هذه أرقام تخص مشاريع وتدابير مختلفة، ولا يمكن اعتبارها جميعاً قدرة إضافية مضمونة قبل الصيف المقبل. فبعضها ما زال في طور الإنجاز أو التحضير، وبعضها الآخر مرتبط بجاهزية المعدات وتوفر الوقود وإتمام عمليات الربط بالشبكة.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات أحمد دوس، نائب رئيس المنظمة التونسية للطاقات النظيفة، يوم الثلاثاء 3 نوفمبر على إذاعة إكسبراس أف أم، لتعيد النقاش إلى نقطة أكثر حساسية.

فبحسب تقديراته، فإن الإجراءات التي يجري الحديث عنها قد توفر نحو 550 ميغاواط إضافية خلال النهار، لكن هذه القدرة قد تتراجع إلى حدود 250 ميغاواط خلال الليل بسبب انخفاض مساهمة الطاقة الشمسية.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الفجوة التي عرفتها تونس خلال الصيف الماضي بلغت حوالي 1550 ميغاواط في بعض فترات الذروة، فإن هذه الإضافات، حتى في صورة إنجازها، لا تبدو كافية وحدها لتوفير هامش أمان مطمئن.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: لا يكفي أن نعلن عن مشاريع جديدة، بل يجب أن نعرف كم ستضيف فعلياً إلى القدرة المتاحة، ومتى ستدخل حيز الاستغلال، وهل ستكون قادرة على العمل في ساعات الذروة التي تعرفها البلاد خلال الصيف.

الطاقة الشمسية… التراخيص شيء والواقع شيء آخر

ربما يكون ملف الطاقة الشمسية أكثر الملفات التي تكشف الفارق بين ما تعلنه الدولة وما يتحقق على الأرض.

فخلال مداخلته الإذاعية، أشار أحمد دوس إلى أن مشاريع تحصلت على تراخيص بقدرة إجمالية تبلغ 287 ميغاواط خلال الفترة الممتدة بين ديسمبر 2024 وسنة 2025.

لكن ما الذي تحقق فعلياً؟

من مجموع هذه القدرة، لم تصل إلى مرحلة التجارب سوى 23 مشروعاً بقدرة إجمالية تبلغ 34 ميغاواط، من بينها 12 ميغاواط ما زالت في مرحلة الاختبارات.

بمعنى آخر، نحن أمام نسبة إنجاز لا تتجاوز 12 بالمائة تقريباً إذا احتسبنا المشاريع التي بلغت مرحلة التجارب، بينما لا تتجاوز القدرة التي دخلت الاستغلال فعلياً 4.2 بالمائة من مجموع القدرة المرخص بها.

وهذا فارق لا يمكن تجاهله.

فالمشكلة في تونس ليست دائماً في غياب المشاريع أو في عدم وجود مستثمرين يرغبون في دخول قطاع الطاقات المتجددة. المشكلة أيضاً في المسافة الطويلة بين الحصول على الترخيص والانطلاق الفعلي في الإنتاج.

وقد سبق أن شهدت دفعات أخرى من مشاريع الطاقة المتجددة صعوبات مماثلة، وهو ما يجعل مراجعة منظومة التراخيص والإجراءات الإدارية والربط بالشبكة أمراً ضرورياً إذا كانت البلاد تريد فعلاً تسريع الانتقال الطاقي.

ومع ذلك، لا ينبغي إغفال التطور الذي عرفه إنتاج الكهرباء من المحطات الشمسية المستقلة. فقد ارتفع الإنتاج خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026 إلى 359 جيغاواط ساعة، مقابل 39 جيغاواط ساعة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بفضل دخول محطات جديدة حيز الاستغلال.

لكن هذا التقدم، على أهميته، لا يلغي الحاجة إلى مواصلة الاستثمار في محطات جديدة، والأهم من ذلك تطوير وسائل تخزين الكهرباء حتى لا يقتصر الانتفاع بالطاقة الشمسية على ساعات النهار.

ماذا يحدث عندما تغيب الشمس؟

هذه واحدة من النقاط التي لا تحظى بما يكفي من الاهتمام في النقاش العام.

قد تعلن تونس عن إضافة مئات الميغاواطات من الطاقة الشمسية، لكن هذه المحطات لا تستطيع وحدها ضمان استمرار التزود بالكهرباء خلال الليل.

فالطاقة الشمسية مرتبطة بساعات الإشعاع، وعندما تغيب الشمس تتراجع مساهمتها، بينما لا يتراجع بالضرورة استهلاك المواطنين، خصوصاً في الليالي الحارة التي تستمر فيها المكيفات في العمل.

ولهذا السبب، فإن التخزين أصبح جزءاً أساسياً من أي استراتيجية جدية لتطوير الطاقة الشمسية.

وقد تضمنت المشاريع المعلنة محطات مزودة بأنظمة تخزين، من بينها مشروع بني مهيرة بقدرة إنتاجية تبلغ 50 ميغاواط ونظام تخزين بطاقة 20 ميغاواط ساعة، ومشروع تطاوين بقدرة 200 ميغاواط ونظام تخزين بطاقة 100 ميغاواط ساعة.

لكن علينا أن نميز بين قدرة المحطة على الإنتاج وبين كمية الكهرباء التي تستطيع البطاريات تخزينها وإعادة ضخها.

فوجود بطارية بطاقة 100 ميغاواط ساعة لا يعني أنها تستطيع تغطية حاجيات منطقة كاملة طوال الليل. ذلك يتوقف على قدرتها اللحظية ومدة التفريغ وحجم الطلب.

لذلك فإن المطلوب هو معرفة المساهمة الحقيقية لهذه المشاريع خلال ساعات الذروة الليلية، وليس الاكتفاء بالإعلان عن قدراتها الاسمية.

الغاز الطبيعي… نقطة الضعف الأخرى

هناك جانب آخر من المشكلة لا يقل أهمية، ويتعلق باعتماد تونس الكبير على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء.

فوفق المعطيات المنشورة عن القطاع، مثل الغاز الطبيعي نحو 90.8 بالمائة من إنتاج الكهرباء في نهاية جويلية 2026.

وهذا يعني أن استقرار التزود بالكهرباء يظل مرتبطاً إلى حد كبير بقدرة البلاد على توفير الغاز اللازم لتشغيل محطاتها.

لكن الوضع الطاقي في تونس لا يبدو مريحاً في هذا الجانب أيضاً.

فقد تراجعت نسبة الاستقلالية الطاقية إلى حدود 32 بالمائة في نهاية أوت 2026، مقابل 36 بالمائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

وهذا التراجع يعني أن البلاد أصبحت أكثر اعتماداً على الخارج لتأمين حاجياتها من الطاقة، في وقت ترتفع فيه كلفة الواردات وتتزايد الضغوط على المالية العمومية.

ولا يمكن في هذا السياق اعتبار استيراد الكهرباء من الجزائر حلاً مضموناً لكل الأوقات. فهذه الإمكانية تظل مرتبطة بحاجيات البلد المصدر وقدرته على توفير فائض للتصدير، خصوصاً عندما تضرب موجات الحر المنطقة بأكملها.

بعبارة أخرى، لا يمكن لتونس أن تبني أمنها الكهربائي على افتراض أن الجيران سيكونون دائماً قادرين على سد النقص.

7.9 مليارات دينار لوزارة الطاقة… أين تذهب الأموال؟

من المفارقات أن هذا النقاش يتزامن مع تقديم ميزانية مهمة الصناعة والمناجم والطاقة لسنة 2027، والتي بلغت اعتماداتها المقترحة نحو 7.892 مليارات دينار، بزيادة قدرها 48.2 بالمائة مقارنة بسنة 2026.

لكن قراءة هذه الزيادة تقتضي الانتباه إلى طبيعة النفقات.

فجزء مهم من الميزانية يتعلق بدعم المحروقات، الذي ارتفعت اعتماداته إلى نحو 7.09 مليارات دينار، مقابل 4.993 مليارات دينار في ميزانية 2026.

أما الاعتمادات المرصودة لصندوق الانتقال الطاقي فتبلغ نحو 45 مليون دينار.

وهنا يبرز سؤال لا بد من طرحه: إلى أي مدى تعكس زيادة ميزانية الوزارة تحولاً حقيقياً في الاستثمار في الإنتاج الكهربائي والطاقات المتجددة، وإلى أي مدى تذهب هذه الزيادة لتغطية كلفة الطاقة المستوردة ودعم الأسعار؟

لا شك أن دعم المحروقات يظل مرتبطاً باعتبارات اجتماعية واقتصادية، لكن استمرار ارتفاع فاتورة الطاقة يكشف أيضاً أن تونس لم تنجح بعد في تقليص تبعيتها للمصادر الخارجية بالسرعة المطلوبة.

والأهم من كل هذا أن الإنفاق على الطاقة يجب أن يقاس بما يتركه من أثر على قدرة البلاد على الإنتاج، وليس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة في الميزانية.

المواطن أيضاً في قلب الأزمة

أحمد دوس لم يكتف بالحديث عن زيادة الإنتاج، بل أثار مسألة استهلاك الكهرباء، معتبراً أن التركيز على المؤسسات الصناعية وحدها لا يكفي.

فهو يقدر أن المنازل تمثل نحو 70 بالمائة من الطلب على الكهرباء خلال الصيف.

وإذا صحت هذه التقديرات، فإن أي خطة لترشيد الاستهلاك لا تشمل الأسر ستكون خطة ناقصة.

ومن هنا تأتي أهمية العدادات الذكية، والتعريفات التي تشجع على استهلاك الكهرباء خارج ساعات الذروة، وتحسين نجاعة أجهزة التبريد، فضلاً عن تشجيع المؤسسات الصناعية على نقل بعض أنشطتها إلى فترات يكون فيها الضغط على الشبكة أقل.

لكن لا ينبغي أن يتحول هذا التوجه إلى تحميل المواطن وحده مسؤولية أزمة لم يكن طرفاً في صنعها.

فمن حق التونسي أن يستعمل المكيف خلال موجة حر، ومن واجب الدولة أن توفر الحد الأدنى من استمرارية الخدمات الأساسية.

المطلوب هو سياسة متوازنة تجمع بين ترشيد الاستهلاك وتحسين الإنتاج، لا الاكتفاء بدعوة المواطنين إلى إطفاء أجهزتهم كلما اقتربت الشبكة من حدود قدرتها.

صائفة 2027… خمسة أشهر حاسمة

ما زال أمام تونس بعض الوقت قبل حلول الصيف المقبل، لكنه ليس وقتاً طويلاً إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة المشاريع الكهربائية والآجال التي يتطلبها إنجازها وتشغيلها.

ويمكن خلال الأشهر القادمة معرفة ما إذا كانت الحكومة ستنجح في تحويل تعهداتها إلى محطات جاهزة، من خلال متابعة خمسة مؤشرات أساسية:

  • دخول التوربينات والمحركات الجديدة حيز الاستغلال في الآجال المعلنة.
  • استكمال إعادة تشغيل الوحدات التي أعلنت الحكومة عن إعادة تأهيلها.
  • ربط المشاريع الشمسية الجديدة بالشبكة، مع نشر القدرة المنتجة فعلياً.
  • توفير أنظمة تخزين قادرة على دعم الشبكة خلال ساعات الليل.
  • الإعلان عن خطة واضحة لتغطية ذروة الاستهلاك، بما في ذلك احتياجات الغاز والكميات الممكن استيرادها من الكهرباء.

هذه ليست تفاصيل تقنية ثانوية، بل هي التي ستحدد ما إذا كانت تونس ستدخل صائفة 2027 وهي تملك هامشاً كافياً لمواجهة موجات الحر، أم ستجد نفسها مرة أخرى أمام اضطرابات في التزود بالكهرباء.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى