الرئيسيةآخر الأخبارتونس : الأمطار لا تتآمر على أحد

تونس : الأمطار لا تتآمر على أحد

«الأمطار لا تتآمر على أحد، والفيضانات لا تملك أجندة سياسية.».

بهذه العبارة علّقت النائبة فاطمة المسدي على الجدل الذي رافق الأمطار الغزيرة التي شهدتها عدة مناطق تونسية، معتبرة أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينصب على الظاهرة الطبيعية نفسها، وإنما على مدى استعداد الدولة للتعامل معها.

وقالت المسدي إن ما هو واضح ومؤكد أن الأمطار كانت غزيرة في عدة مناطق تونسية، باستثناء صفاقس، مضيفة أن الأسئلة التي تستحق البحث تتعلق بجاهزية شبكات تصريف المياه، وتنظيف الأودية ومجاري المياه، وصيانة البنية التحتية، وسرعة تدخل الهياكل المعنية.

وأضافت أن «الظاهرة الطبيعية لا يمكن أن نحاكمها»، وإنما يجب مساءلة مدى الاستعداد لها ومن قصّر في أداء مسؤوليته.

وتختصر المسدي جوهر المسألة في سؤال مختلف: إذا كانت الأضرار تتكرر كلما نزلت أمطار غزيرة، فلماذا يكون السؤال «لماذا أمطرت؟»، في حين أن السؤال الحقيقي، وفق تعبيرها، هو: «ماذا فعلنا قبل أن تمطر؟ ومن كان مسؤولاً عن فشل الاستعداد لها؟».

قرار في السابعة إلا سبع دقائق

لكن الجدل لم يتوقف عند البنية التحتية أو قدرة شبكات تصريف المياه، بل امتد إلى طريقة إدارة المؤسسات العمومية للأزمة، وخصوصاً قرار تعليق الدروس.

فقد أعلن والي تونس، الخميس 17 سبتمبر 2026، تعليق الدروس بكامل مؤسسات التعليم في ولاية تونس ابتداء من الساعة الثالثة بعد الظهر.

المشكلة التي أثارت استياء عدد من الأولياء لم تكن في مبدأ تعليق الدروس في ظل تدهور الأحوال الجوية، وإنما في توقيت الإعلان.

فوفق المعطيات المتداولة، صدر البلاغ في حدود الساعة 14:53، أي قبل سبع دقائق فقط من الموعد المحدد لتعليق الدروس.

وبالنسبة إلى آلاف الأولياء، لم تكن سبع دقائق كافية لمغادرة أماكن العمل، والوصول إلى المؤسسات التربوية، واستلام الأطفال، ثم العودة بهم إلى منازلهم، خصوصاً في وقت كانت فيه الأمطار قد بدأت تؤثر بالفعل في حركة المرور وتزيد من صعوبة التنقل.

وهنا تحولت الإجراءات التي يفترض أن تهدف إلى حماية التلاميذ إلى مصدر إضافي للضغط على العائلات.

المشكلة ليست في التعليق… بل في التوقيت

على مواقع التواصل الاجتماعي، ركزت انتقادات عديدة على هذا الجانب تحديداً.

وتساءلت المواطنة خولة زعزع عن قدرة الأولياء على الوصول إلى أبنائهم في مثل هذا الظرف، مشيرة إلى أن التوقعات الجوية كانت تتحدث منذ أيام عن اضطرابات وأمطار هامة.

كما انتقدت ما اعتبرته إعلاناً متأخراً جداً عن تعليق الدروس، في وقت يكون فيه الأولياء في أماكن عملهم والطرقات تشهد اختناقات وتجمعاً للمياه.

والسؤال الذي طرحته لا يتعلق فقط بقدرة الأب أو الأم على الوصول إلى المدرسة، وإنما أيضاً بما سيحدث للأطفال الذين لا يستطيع أولياؤهم مغادرة أماكن عملهم بصورة مفاجئة.

فما الفائدة من تعليق الدروس عند الساعة الثالثة، إذا كان الوصول إلى التلميذ ثم إخراجه من المؤسسة وإعادته إلى منزله يستغرق وقتاً أطول بسبب حالة الطرقات؟

حمدي حشاد: الإنذار المبكر لا يبدأ مع نزول المطر

الخبير البيئي حمدي حشاد نقل النقاش إلى مستوى آخر، يتعلق بمنظومة الإنذار المبكر وإدارة المخاطر.

ويرى حشاد أن قراراً مثل تعليق الدروس لا يفترض أن ينتظر بداية الأمطار أو تعطل الطرقات حتى يصدر، بل ينبغي أن يكون جزءاً من بروتوكول استباقي يبدأ قبل الحدث الجوي.

وبحسب تصوره، يمكن أن تبدأ عملية الإنذار قبل 24 إلى 48 ساعة من الحدث المتوقع، ثم يتم خلال الساعات التالية إعداد المؤسسات والهياكل المعنية وإعلام المواطنين، وصولاً إلى اتخاذ القرارات المتعلقة بالتلاميذ والنقل والخدمات العمومية قبل ساعات كافية من بداية الخطر.

ويؤكد أن الإنذار المبكر الحقيقي ليس مجرد نشر نشرة جوية، وإنما توفير معلومات تسمح للسلطات والأفراد باتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

وتزداد أهمية هذا الأمر في حالات الأمطار الغزيرة والسيول المفاجئة، حيث يمكن أن تتغير ظروف التنقل في فترة قصيرة جداً، بما يجعل القرار المتأخر أقل فاعلية مهما كان صحيحاً من حيث المبدأ.

عندما يصبح قرار الحماية جزءاً من المشكلة

على أرض الواقع، كشفت الساعات التي تلت الإعلان عن تعليق الدروس عن هذه المفارقة.

ففي الوقت الذي كان فيه الأولياء يحاولون الوصول إلى المدارس بصورة عاجلة لاستلام أبنائهم، كانت حركة المرور تشهد اضطراباً كبيراً في عدد من المحاور.

وفي بعض الحالات، لم يتمكن الأولياء من استلام أطفالهم إلا بعد نحو نصف ساعة من الموعد المحدد لتعليق الدروس، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة أماكن عملهم على عجل والدخول في اختناقات مرورية.

ومن الحالات التي تم تداولها، أن أطفالاً يدرسون في مؤسسة تقع بشارع محمد الخامس لم يتمكن أولياؤهم من استلامهم إلا في حدود الساعة الثالثة والنصف، قبل أن يجدوا أنفسهم عالقين في حركة المرور في اتجاه باردو.

وبحلول الساعة السادسة والنصف مساءً، لم تكن رحلة العودة قد انتهت بالنسبة إلى بعض العائلات، فيما أنهك الأطفال من طول الانتظار والتنقل.

هذه الوقائع، إن تأكدت على نطاق واسع، تطرح سؤالاً يتجاوز قرار تعليق الدروس نفسه: هل يمكن أن تكون وسيلة الحماية فعالة إذا جاءت في اللحظة التي يبدأ فيها الخطر بالفعل؟

المطر ليس مؤامرة

في النهاية، لا أحد يطلب من الدولة أن تمنع المطر، ولا يمكن تحميل أي جهة مسؤولية هطول الأمطار الغزيرة باعتبارها ظاهرة طبيعية.

لكن الدولة مطالبة بأن تتعامل مع الظواهر المتوقعة وفق منطق الاستعداد المسبق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسلامة الأطفال وحركة آلاف المواطنين.

وهنا تلتقي رسالة فاطمة المسدي مع السؤال الذي طرحه حمدي حشاد، وإن اختلفت زاوية كل منهما.

المطر ليس مؤامرة، والفيضانات لا تملك أجندة سياسية.

لكن شبكات تصريف المياه لها مسؤولون، وتنظيف الأودية له مسؤولون، وصيانة الطرقات والبنية التحتية لها مسؤولون، ومنظومات الإنذار المبكر لها بروتوكولات، وقرارات تعليق الدروس لها توقيت.

لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل موجة أمطار قوية ليس: لماذا أمطرت؟

بل: ماذا فعلنا قبل أن تمطر؟

blank

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى