الرئيسية آخر الأخبار جمع النفايات بدل السجن.. كيف تُطبق تونس سياسة العقوبات البديلة؟

جمع النفايات بدل السجن.. كيف تُطبق تونس سياسة العقوبات البديلة؟

0
2
blank

أعاد تنفيذ حكم قضائي يقضي بعقوبة بديلة تتمثل في العمل لفائدة المصلحة العامة في جزيرة جربة، النقاش حول منظومة العقوبات البديلة في تونس، وهي آلية ليست جديدة كما قد يوحي الحدث، بل تعود إلى نهاية التسعينات، وشهدت منذ ذلك الوقت تطبيقات قضائية مختلفة.

فقد أشرف قاضي تنفيذ العقوبات بالنيابة بالمحكمة الابتدائية بجربة، تحت متابعة ممثل النيابة العمومية، على تركيز برنامج لفائدة أحد المنتفعين بعقوبة بديلة تتمثل في أداء عمل لفائدة المصلحة العامة داخل بلدية حومة السوق جربة.

وتولى مكتب المصاحبة بمدنين، بالتنسيق مع رئيس مصلحة النظافة بالبلدية، إعداد برنامج عمل خاص بالمنتفع، حيث تم ضبط توقيت التنفيذ من الساعة الرابعة صباحا إلى الثامنة صباحا، بما يراعي متطلبات العمل البلدي وظروف المعني بالأمر.

وتم تكليف المنتفع بأشغال تتمثل في جمع النفايات والمواد البلاستيكية بمنطقة غابة سيدي زايد، في إطار دعم جهود النظافة والمحافظة على البيئة، مع الحرص على توظيف قدراته المهنية بما يضمن حسن تنفيذ المهمة الموكولة إليه.

ليست التجربة الأولى في تونس

ورغم أهمية هذه الحالة من الناحية التطبيقية، فإنها لا تمثل أول حكم بالعقوبة البديلة في تونس. فقد أقر المشرّع التونسي منذ سنة 1999 إمكانية استبدال عقوبة السجن القصيرة الأمد بالعمل لفائدة المصلحة العامة، حيث نص القانون على إمكانية أن تستبدل المحكمة عقوبة السجن النافذ التي لا تتجاوز ستة أشهر بعقوبة عمل لفائدة المصلحة العامة.

ثم وقع تطوير هذه الآلية سنة 2009، عندما تم توسيع مجالها ليشمل العقوبات السجنية التي لا تتجاوز سنة واحدة، مع تحديد سقف زمني للعمل يصل إلى 600 ساعة باعتبار ساعتين عن كل يوم سجن.

كما تم لاحقا تدعيم دور قاضي تنفيذ العقوبات في متابعة هذه الأحكام، حيث أصبح يتولى تحديد المؤسسة التي سيُنجز فيها العمل، وضبط طبيعة الأشغال وجدول الأوقات، ومتابعة التنفيذ بالتنسيق مع المصالح المعنية.

ما الهدف من العقوبات البديلة؟

لا تقوم فلسفة العقوبات البديلة على إعفاء المحكوم عليه من المسؤولية، بل على تحويل طريقة تنفيذ العقوبة من الحبس إلى عمل يخدم المجتمع، مع الحفاظ على البعد الإصلاحي وإعادة الإدماج.

وتعتبر وزارة العدل أن العمل لفائدة المصلحة العامة يهدف إلى تجنب الآثار السلبية للعقوبات السجنية القصيرة، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين لا يشكلون خطرا على المجتمع، مع تمكينهم من البقاء ضمن محيطهم الاجتماعي والمهني.

وتشمل هذه العقوبة أعمالا يمكن إنجازها داخل المؤسسات العمومية والجماعات المحلية والجمعيات ذات المصلحة العامة، شرط أن تكون ذات فائدة للمجتمع وأن تساهم في تأهيل المحكوم عليه.

مكاتب المصاحبة.. حلقة أساسية في تنفيذ العقوبة

ويأتي تنفيذ حكم جربة في سياق الدور الذي أصبحت تضطلع به مكاتب المصاحبة التابعة لوزارة العدل، والتي تهدف إلى مرافقة المنتفعين بالعقوبات البديلة ومساعدتهم على تجاوز آثار الخطأ الجزائي وإعادة الاندماج.

وقد شرعت وزارة العدل منذ سنوات في تعميم هذه المكاتب تدريجيا، باعتبارها آلية مساندة لتنفيذ العقوبات البديلة، بالتعاون مع المؤسسات العمومية والجماعات المحلية.

منطق جديد للعقوبة

ويؤشر المثال الجربي على تحول تدريجي في النظرة إلى تنفيذ الأحكام الجزائية، إذ لم تعد العقوبة مرتبطة فقط بفكرة السجن، بل أصبحت تتجه نحو تحقيق معادلة تجمع بين احترام الحكم القضائي وخدمة المجتمع ومنح المحكوم عليه فرصة للإصلاح.

وبذلك فإن جمع النفايات في غابة سيدي زايد ليس مجرد عمل نظافة، بل يمثل تطبيقا عمليا لفكرة قانونية قائمة منذ سنوات: أن يتحمل المحكوم عليه مسؤوليته تجاه المجتمع من خلال خدمة هذا المجتمع بدل عزله عنه.