أكد تقرير تحليلي استراتيجي شامل صدر عن المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية يوم أمس أن الاستقرار السياسي والاقتصادي في تونس يواجه منعطفاً هيكلياً يتسم بـ »الهشاشة المتزايدة »، في وقت دخلت فيه الخيارات المالية للدولة مرحلة حرجة نتيجة لانسداد أفق التمويل الخارجي، والاعتماد غير المسبوق على أدوات الاقتراض الداخلي الاستثنائية لتسيير الأزمات المعيشية الحارقة.
وجاء في التقرير، الصادر تحت عنوان « تونس: استقرار هش وحريات تتقلص »، أن المؤشرات الاقتصادية الراهنة لعام 2026 تؤكد اتساع الفجوة التمويلية للبلاد، مدفوعة بتعطل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لتأمين حزمة الإنقاذ البالغة 1.9 مليار دولار، نتيجة رفض الشروط المرتبطة برفع الدعم عن المواد الأساسية.
أولاً: أرقام هيكلية وصدمة « بطالة الشهادات »
وفقاً للقراءة الإحصائية التي وثقها خبراء المعهد الإيطالي، فإن معضلات الاقتصاد التونسي لم تعد مجرد تراجع ظرفي، بل تحولت إلى أزمة بنيوية تدعمها المؤشرات التالية:
- تفاقم المديونية السيادية: سجلت نسبة الدين العام التونسي قفزة لتستقر عند 84.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو معدل يتجاوز بكثير الخطوط الحمراء للدول ذات الاقتصادات المماثلة، ويضع كلفة خدمة الدين كأكبر مستنزف للموارد الذاتية للدولة.
- لغم البطالة الموقوت: رصد التحليل تزايد نسب البطالة العامة، مشدداً على أن المؤشر الأكثر خطورة يكمن في استقرار بطالة الشباب وأصحاب الشهادات العليا عند مستوى 37.5%، وهو ما يحول هذه الكتلة الحيوية إلى قوة ضغط اجتماعي مستمر، في ظل عجز الدورة الاقتصادية عن تحويل المهارات العلمية إلى فرص استثمارية أو إنتاجية.
ثانياً: فخ التمويل الذاتي ومخاطر « التمويل الصامت »
وسلّط معهد « ISPI » الضوء على التوجه المالي الجديد للسلطات التونسية تزامناً مع انطلاق العهدة الرئاسية الثانية للرئيس قيس سعيد، والمتمثل في إقرار آلية الاقتراض المباشر من البنك المركزي التونسي والمنظومة المصرفية المحلية لتغطية عجز الموازنة وتسديد الرواتب والالتزامات الخارجية.
وحذر محللو المعهد من أن نموذج « التمويل الذاتي الصامت » يعكس سياسة تأجيل الأزمة عوضاً عن حلها؛ حيث يؤدي ضخ السيولة النقدية دون نمو إنتاجي موازٍ إلى تعميق الضغوط التضخمية الكامنة، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن معضلة « تزاحم القطاع الخاص » ، إذ إن استنزاف السيولة من البنوك المحلية لصالح الخزينة العامة يقلص من قدرة هذه المصارف على تمويل الشركات والمشاريع الاستثمارية الخاصة، مما يصيب النمو الاقتصادي بالشلل التام.
ثالثاً: المقاربة الجيوسياسية.. الأمن قبل الديمقراطية في حسابات أوروبا
على الصعيد الدبلوماسي والإقليمي، كشف التقرير عن طبيعة التحركات الصامتة والضغوط التي تقودها عواصم أوروبية، لاسيما روما وباريس، في الغرف المغلقة للمؤسسات المالية الدولية.
وأوضح التحليل أن الموقف الأوروبي الراهن تجاه تونس لا ينطلق من تقييم مدى الالتزام بالمعايير الديمقراطية أو الحريات المدنية التي تشهد تراجعاً ملحوظاً، بل تحركه هواجس أمنية بحتة. وتخشى المفوضية الأوروبية من أن يؤدي أي تخلف هيكلي أو انهيار مالي غير محتوً للاقتصاد التونسي إلى انفجار موجات هجرة غير نظامية قياسية وعابرة للحدود نحو السواحل الإيطالية، وهو ما يجعل من « ملف تطويق الهجرة وحفظ الاستقرار الأمني الحدودي التونسي » المحرك الفعلي والوحيد لسياسات الدعم المالي والاتفاقيات الثنائية المرنة التي تبرمها أوروبا مع تونس حالياً.
***(ISPI)
المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدوليةهو مركز أبحاث مستقل ومقره مدينة ميلانو، وهو أحد أقدم وأبرز المؤسسات الإيطالية المتخصصة في تحليل العلاقات الدولية والسياسات الخارجية. يركز المعهد على تقديم دراسات معمقة واستشارات استراتيجية حول القضايا السياسية والاقتصادية العالمية للمؤسسات الحكومية والخاصة والجمهور العام. كما يشكل منصة رائدة للحوار الفكري من خلال تنظيم المؤتمرات الدولية والبرامج التدريبية المتقدمة.
