يسلط التقرير الأخير الصادر عن منصة « أفريكا إنتليجنس » الفرنسية الضوء على تحول نوعي في استراتيجيات تسويق التكنولوجيا العسكرية الموجهة لمنطقة شمال إفريقيا. وتُعد شركة « هارماتان للذكاء الاصطناعي » نموذجاً لجيل جديد من الشركات الأوروبية الناشئة في مجال تكنولوجيا الدفاع؛ حيث تأسست الشركة عام 2024 وحققت قفزة هائلة بعد جولة تمويلية ضخمة بلغت 200 مليون دولار قادتها مجموعة « داسو للطيران » الفرنسية، مما رفع قيمتها السوقية إلى 1.4 مليار دولار لتصبح واحدة من الشركات الصاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري.
يركز هذا الاختراق الدبلوماسي والتجاري الموجه نحو المسؤولين الأمنيين والعسكريين في تونس (أو من يُطلق عليهم التقرير « صناع القرار الأمني » التونسيين) على ثلاثة أبعاد استراتيجية وتقنية رئيسية:
1. العروض التقنية المطروحة على الجانب التونسي
تعتمد عقيدة الشركة على مفهوم « الإشباع المنسق »، وهي تكنولوجيا تعتمد على تسيير أسراب من الطائرات المسيرة والأنظمة المستقلة منخفضة التكلفة وعالية الذكاء، والتي تعمل بكفاءة حتى في بيئات التشويش الإلكتروني الكثيف. وتشمل الحلول التي تحاول الشركة تسويقها في تونس:
- أنظمة الاستطلاع والمراقبة المستمرة: عبر طرازات مثل الطائرات المسيرة « صحراء » و** »سونورا »** (المستخدمة فعلياً من قبل وزارتي الدفاع الفرنسية والبريطانية)، حيث تعتمد هذه الأنظمة على الرادارات المتطورة والرؤية الحاسوبية لمراقبة الحدود الشاسعة والمناطق الصحراوية الوعرة.
- الدفاع الجوي قصير المدى جداً: من خلال أنظمة مثل « غوبي » و** »غوبي تيمبيست » (عاصفة غوبي)** المخصصة لاعتراض التهديدات منخفضة الارتفاع وطائرات درون الانتحارية أو المعادية.
- برمجيات إدارة المهام الذكية « كالاهاري »: وهي منصة برمجية مركزية تعمل بالذكاء الاصطناعي لدمج البيانات، وتنسيق العمليات الاستخباراتية، واتخاذ القرارات الميدانية الفورية دون الحاجة لبنية تحتية تقليدية معقدة.
2. السياق الجيوسياسي والدوافع وراء التحرك
- التمدد الإقليمي من المغرب باتجاه تونس: نجحت شركة « هارماتان للذكاء الاصطناعي » في يونيو 2026 في توقيع اتفاقية استراتيجية ضخمة مع القوات المسلحة الملكية المغربية لبناء قاعدة صناعية دفاعية ومركز أبحاث وتطوير للذكاء الاصطناعي مخصص لتصنيع طائراتها المسيرة بعيدة المدى (مثل الطائرة المسيرة « إيريفي »). وبعد تأمين موطئ قدم قوي لها في الرباط، تسعى الشركة الآن لتوسيع نفوذها الإقليمي عبر فتح قنوات اتصال مباشرة مع الأجهزة الأمنية والعسكرية التونسية.
- سد الفراغ الدفاعي التكنولوجي: ترغب تونس في تعزيز قدراتها الاستخباراتية لمكافحة التهريب، وإحكام مراقبة الحدود، وإدارة ملفات الهجرة المعقدة. وتقدم الشركات الفرنسية نفسها كبديل تكنولوجي « سيادي » قادر على تقديم حلول رقمية متقدمة تفوق الأنظمة التقليدية المعروضة من أطراف دولية أخرى.
3. التحديات القائمة أمام هذا التقارب
يشير التقرير إلى أن هذه التحركات لا تزال في طور « حملات الاستكشاف والتقرب التجاري والاستخباراتي »، وتواجه عقبتين رئيسيتين في تونس:
- القيود التمويلية: تعاني الموازنة التونسية من ضغوط شديدة، مما يجعل تمويل صفقات التكنولوجيا العسكرية فائقة التطور أمراً معقداً يتطلب حلولاً تمويلية مبتكرة أو منحاً دفاعية خارجية.
- الحذر الدبلوماسي التونسي: تبدي القيادة التونسية في الآونة الأخيرة حساسية شديدة تجاه أي نفوذ أجنبي مباشر في قطاعاتها السيادية (الأمن والدفاع)، وتفضل الحفاظ على مسافات متساوية وتنوع مدروس في مصادر التجهيز والتسليح العسكري.
