الرئيسيةآخر الأخبارصندوق النقد الدولي:الدين العمومي يضيّق خيارات تونس.. والنمو لا يكفي لفكّ الأزمة

صندوق النقد الدولي:الدين العمومي يضيّق خيارات تونس.. والنمو لا يكفي لفكّ الأزمة

تقرير صندوق النقد الدولي يرفع توقعات النمو إلى 2.4% في 2026 و2% في 2027، لكن تحسّن الأرقام لا ينهي معضلة التمويل ولا يضمن استعادة الاستثمار نسقه المطلوب

لم تحمل التوقعات الجديدة لصندوق النقد الدولي بشأن الاقتصاد التونسي مؤشرات على تحول اقتصادي عميق، رغم مراجعة تقديرات النمو نحو الأعلى. فالنمو المنتظر لسنة 2026 أصبح في حدود 2.4%، مقابل 2.1% في تقديرات أبريل الماضي، فيما ارتفعت توقعات سنة 2027 إلى 2% بعد أن كانت في حدود 1.6%.

لكن هذه المراجعة الإيجابية نسبياً لا تعني أن تونس تجاوزت الصعوبات الهيكلية التي تعطل اقتصادها، ولا سيما ارتفاع المديونية العمومية، وضيق هامش التصرف في ميزانية الدولة، وضعف الاستثمار والضغوط التي يفرضها تمويل حاجيات الخزينة على بقية النشاط الاقتصادي.

وفي قراءة للتقديرات الجديدة، يضع الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي مسألة الدين العمومي في قلب الإشكال الاقتصادي التونسي، معتبراً أن ثقل المديونية لا يقتصر على حجم الالتزامات المالية المتراكمة، بل يمتد إلى تقليص قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الاستثمار والبنية التحتية والمرافق العمومية، وهي قطاعات يحتاج إليها الاقتصاد لاستعادة نسق نمو أعلى.

blank

الدين يستهلك الموارد ويضيّق هامش الاستثمار

تواجه المالية العمومية التونسية معادلة صعبة: حاجيات تمويل مرتفعة، والتزامات متزايدة لخدمة الدين، في مقابل موارد محدودة لا تسمح بسهولة بتوسيع الإنفاق الاستثماري.

وتتجاوز المديونية العمومية 80% من الناتج المحلي الإجمالي وفق التقديرات المتداولة، ما يجعل إدارة الدين أحد المحددات الأساسية للسياسة المالية. وكلما ارتفعت المبالغ المخصصة لخدمة الالتزامات السابقة، ازدادت صعوبة توفير موارد إضافية للمشاريع الجديدة، خصوصاً في ظل محدودية التمويل الخارجي.

ويرى الشكندالي أن هذه الوضعية تساهم في إبقاء الاقتصاد ضمن دائرة نمو ضعيف لا يولّد بالسرعة المطلوبة الثروة وفرص العمل والإيرادات الجبائية اللازمة لتخفيف الضغط عن المالية العمومية.

وبذلك، لا تتمثل المشكلة في مستوى النمو وحده، بل في قدرة هذا النمو على توفير موارد إضافية للدولة وتحريك الاستثمار الخاص، بما يسمح بتوسيع القاعدة الإنتاجية وتقليص الاعتماد على الاقتراض لتغطية الحاجيات المتزايدة.

اقتراض الدولة ومخاطر مزاحمة القطاع الخاص

من بين النقاط التي يسلط عليها الشكندالي الضوء اعتماد الدولة المتزايد على التمويل الداخلي لتغطية حاجياتها، في ظل صعوبة الحصول على موارد خارجية بالشروط المطلوبة.

ويثير هذا التوجه مسألة المنافسة على السيولة المتاحة لدى البنوك والمؤسسات المالية. فعندما ترتفع حاجيات الخزينة إلى الاقتراض المحلي، يمكن أن تتراجع الموارد المتاحة لتمويل المؤسسات الخاصة، خصوصاً المشاريع التي تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل.

ولا تعني هذه النتيجة أن كل اقتراض حكومي يؤدي آلياً إلى إقصاء القطاع الخاص، لكنها تصبح خطراً اقتصادياً عندما تتواصل حاجيات الدولة المرتفعة في سوق تمويل محدودة، بالتزامن مع ضعف الادخار والاستثمار.

وتنعكس هذه المعادلة على قدرة المؤسسات على التوسع والتجديد وتحسين الإنتاجية، وهي عناصر ضرورية لتطوير الصادرات وتقليص العجز الخارجي.

التضخم والحساب الجاري.. مؤشرات تحتاج إلى قراءة دقيقة

إلى جانب الدين والنمو، يبرز التضخم والحساب الجاري ضمن المؤشرات التي تستوجب المتابعة في المرحلة المقبلة.

فالتراجع المحتمل في التضخم لا يكفي، بمفرده، للقول إن القدرة الشرائية استعادت عافيتها. ويتوقف تقييم الوضع على تطور الأجور الحقيقية وأسعار المواد الأساسية والاستهلاك والاستثمار، فضلاً عن توزيع أثر ارتفاع الأسعار بين الفئات الاجتماعية.

كما أن استمرار عجز الحساب الجاري يعني أن الاقتصاد يحتاج إلى تمويل الفارق بين موارده ومدفوعاته الخارجية. وإذا اتسع العجز، فقد تتزايد الضغوط على احتياطيات العملة الأجنبية وعلى حاجيات التمويل الخارجي.

وتتضمن القراءة التي نشرها الشكندالي تقديرات لعجز الحساب الجاري في حدود 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2026، مع احتمال ارتفاعه إلى 5.3% سنة 2027، فضلاً عن توقعات بارتفاع التضخم إلى 6.3% خلال السنة المقبلة. وتظل هذه الأرقام بحاجة إلى مطابقة مباشرة مع جداول تقرير أكتوبر الكامل قبل تقديمها باعتبارها توقعات رسمية نهائية للصندوق.

تونس والمغرب والجزائر ومصر والأردن.. اختلاف في مصادر التمويل

تسمح المقارنة الإقليمية بفهم جانب آخر من الصعوبات التونسية. فمستوى الدين وحده لا يفسر قدرة الاقتصاد على مواصلة الاستثمار، إذ تتدخل أيضاً طبيعة الصادرات، وتدفقات الاستثمار الأجنبي، وإمكانية الحصول على تمويلات خارجية، وحجم الموارد الطبيعية المتاحة.

في المغرب، يشكل تنوع القاعدة التصديرية والاستثمارات في قطاعات صناعية وخدماتية عاملاً مهماً في دعم النشاط الاقتصادي. أما الجزائر، فتستفيد من الموارد الطاقية التي توفر لها مصدراً رئيسياً للعملة الأجنبية، وإن ظل اقتصادها مرتبطاً بدرجة كبيرة بتقلبات أسعار المحروقات.

وفي مصر والأردن، تلعب التدفقات المالية الخارجية والاتفاقيات التمويلية والاستثمارات الإقليمية دوراً في توفير موارد إضافية، رغم استمرار تحديات الدين والتضخم والعجز الخارجي بدرجات متفاوتة.

أما تونس، فتواجه صعوبة في توسيع منافذ التمويل والاستثمار بالنسق الذي يسمح بتخفيف الضغط عن المالية العمومية. لذلك، لا تتعلق المسألة بحجم المديونية وحده، بل أيضاً بقدرة الاقتصاد على توليد العملة الأجنبية واستقطاب استثمارات منتجة وتطوير صادرات ذات قيمة مضافة أعلى.

نمو أفضل على الورق.. لكن أين التحول الاقتصادي؟

إن رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو تونس خلال 2026 و2027 يمثل مراجعة إيجابية مقارنة بتقديراته السابقة، لكنه لا يكفي وحده للاستنتاج بأن الاقتصاد دخل مرحلة تعافٍ مستدام.

فالاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة النمو على رفع الاستثمار والإنتاجية، وخلق فرص العمل، وتحسين القدرة التصديرية، وتوفير موارد تسمح للدولة بتخفيف ضغوط التمويل من دون إضعاف النشاط الاقتصادي.

ومن هذا المنطلق، تضع قراءة رضا الشكندالي أمام الاقتصاد التونسي سؤالاً يتجاوز نسبة النمو المنتظرة: كيف يمكن الخروج من الحلقة التي تربط ارتفاع حاجيات التمويل بضعف الاستثمار، ثم تربط ضعف الاستثمار بمحدودية النمو والموارد؟

الإجابة لا تكمن في رقم واحد، بل في مجموعة خيارات تتصل بإدارة الدين، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوسيع الصادرات، وتوجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة. ومن دون تقدم ملموس في هذه الملفات، قد يبقى تحسن التوقعات محدود الأثر على حياة المؤسسات والمواطنين، حتى عندما تبدو الأرقام أفضل مما كانت عليه في التقرير السابق.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى