في خطوة غير متوقعة تقلب موازين القضية، صعّد محامو المليونير والناشط الأمريكي، فيرجي تشامبرز – المستثمر السابق في النادي الإفريقي – ضغوطهم عبر مكتب اللجوء والهجرة الإسباني لانتزاع صفة « لاجئ سياسي » في مدريد. وتأتي هذه الورقة القانونية الأخيرة بمثابة طوق نجاة يسعى من خلاله فريق الدفاع، بقيادة القاضي الإسباني الشهير بالتاسار غارثون، إلى إلغاء طلب التسليم الأمريكي بشكل تلقائي وفوري، مستغلين مواقف إسبانيا الدبلوماسية المتقدمة واعترافها بدولة فلسطين، لتأكيد أن الملاحقة الفيدرالية ضده ليست إلا « تصفية حسابات سياسية » بسبب مواقفه المناهضة للإمبريالية ودعمه المالي لقطاع غزة.
فيتو قضائي مستمر
وحسب تقرير استقصائي حصري نشرته منصة « أورينوكو تريبيون » جاء التحرك السريع جاء بالتزامن مع اصطدام الدفاع بفيتو قضائي صارم؛ حيث أكدت المحكمة الوطنية الإسبانية تثبيت قرار الحبس الاحتياطي بحق تشامبرز (الموقوف منذ جويلية الماضي في إيبيزا)، بعد رفضها للمرة الرابعة على التوالي طلباً لمنحه الإفراج المؤقت بضمانات. وسوّغت المحكمة قرارها بوجود « مخاطر مرتفعة لفراره » بالنظر إلى ملاءته المالية الضخمة، كونه وريث عائلة « كوكس » الإعلامية وتُقدّر ثروته بمئات الملايين، وهو ما يبقيه خلف قضبان سجن « أرانخويث » حتى إشعار آخر.
ملاحقة أيديولوجية بلا « بذلة عسكرية »
وجاء في مذكرة الدفاع، التي صاغها غارثون واطلعت وسائل الإعلام على فحواها، أن « هناك اضطهادات لا تحتاج إلى بذلة عسكرية؛ بل يكفيها ملف سري، وتكييف قانوني مفبرك، وتعاون أعمى من دولة أخرى ». وتؤكد المذكرة أن واشنطن تلاحق تشامبرز لـ »عقابه على ما قاله، ومن ساعدهم، والقضية التي كرس لها ثروته »، مستغلةً غطاء « الأمن الجماعي » لانتهاك حرمة وحقوق المواطن السلمي.
وتعود جذور الملاحقة السرية إلى سبتمبر 2025، عندما حصل تشامبرز على الإقامة الرسمية في إسبانيا ولم يكن ملاحقاً قضائياً، قبل أن تباغته الشرطة واعتقلته في إيبيزا في جويلية 2026 بناءً على طلب أمريكي، ليمضي أسابيع في السجن دون لائحة اتهام رسمية مصدقة من هيئة محلفين كبرى في بلاده.
فخ إدارة ترامب وبصمات ماركو روبيو
وتكشف الوثائق أن قضية تشامبرز لم تأتِ من فراغ، بل هندستها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر « مذكرة الأمن القومي رقم 7 لمكافحة الإرهاب المحلي والعنف السياسي » الموقعة في سبتمبر 2025. المذكرة أمرت الـ أف بي أي بتعقب ليس فقط من يرتكب الاحتجاجات، بل من « يمولها ويروج لها »، وهو ما طُبق على تشامبرز بسبب دفعه كفالات مالية لأربع ناشطات تظاهرن ضد مصنع الأسلحة الإسرائيلي « ألبيت سيستامس » في نيو هامبشاير عام 2023. والمفارقة أن القضاء المحلي الأمريكي كان قد أسقط التهم الخطيرة عن الناشطات واكتفى بحبسهن 60 يوماً فقط، في حين يواجه تشامبرز ملاحقة فدرالية كبرى بعد 19 شهراً من الحادثة!
ويمتد البُعد السياسي للقضية إلى جويلية 2026، عندما جمع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ممثلي 65 دولة في واشنطن للتنظير حول « الإرهاب السياسي »، في خطوة اعتبرها الدفاع محاولة « لتصدير العقيدة القمعية الأمريكية » والضغط على مدريد لتسليم المعارضين.
فضائح التكييف القانوني: المبالغة الإسبانية والالتفاف على « الإنتربول »
وفجّرت المذكرة القانونية للدفاع قنبلة بوجه الادعاء العام الإسباني؛ حيث كشفت أن الولايات المتحدة نفسها لا تتهم تشامبرز بالإرهاب في وثائقها الرسمية وعبر إخطار الإنتربول، بل تلاحقه بتهم التخريب وغسل الأموال، غير أن المدعي العام الإسباني تطوع من تلقاء نفسه وأضاف تكييف « تمويل الإرهاب » إلى الملف لغلق الباب أمام المادة 13.3 من الدستور الإسباني التي تمنع منعاً باتاً تسليم اللاجئين السياسيين والمضطهدين لأجل أفكارهم. كما ادعى القضاء الإسباني أن تشامبرز يواجه عقوبة تفوق 30 عاماً، بينما الوثائق الأمريكية لا تدعي أكثر من 20 عاماً كحد أقصى.
علاوة على ذلك، لجأت واشنطن إلى حيلة وصفتها المذكرة بـ »المناورة الخبيثة » للالتفاف على « الفيلتر المستقل » لمنظمة الإنتربول؛ حيث تجنبت إصدار « النشرة الحمراء » التي تخضع لتدقيق قانوني وحقوقي صارم يمنع الملاحقات السياسية والعرقية، واستعاضت عنها بـ »التعميم المباشر » المرسل من مكتب واشنطن إلى مدريد مباشرة لعلمها المسبق بمكان إقامته.
أموال تونس بريئة من الإرهاب
وفيما يتعلق بتهمة « غسل الأموال الدولية » القائمة على تحويل 7.5 مليون دولار من أمريكا إلى تونس، أثبتت دفوعات المحامين بالوثائق الدامغة أن مصدر هذه الأموال هو « إرث عائلي شرعي » تعترف به واشنطن نفسها، وأن وجهتها كانت بالكامل لتمويل قنوات رسمية وتحت الرقابة، شملت تسوية ديون النادي الإفريقي التونسي ومشاريع إغاثية في قطاع غزة، نافيةً وجود أي صلة بأي منظمات محظورة.
ومع تكشف هذه الحقائق الاستثنائية، تضع مذكرة غارثون الحكومة والقضاء الإسباني أمام اختبار حقوقي ودبلوماسي عسير؛ فهل ترضخ مدريد لضغوط واشنطن، أم تنتصر لدستورها ومواقفها المعلنة المؤيدة للقضية الفلسطينية وتمنح تشامبرز حماية اللجوء السياسي؟
