الرئيسية آخر الأخبار عبد الرزاق الخلولي: إضراب سائقي المحروقات «إرهاب» …هل يسمح القانون بذلك؟؟

عبد الرزاق الخلولي: إضراب سائقي المحروقات «إرهاب» …هل يسمح القانون بذلك؟؟

0
2
blank

أثار المحامي عبد الرزاق الخلولي جدلاً واسعاً على خلفية الإضراب الفجئي الذي نفذه سائقو شاحنات نقل المحروقات في المنطقة البترولية برادس يوم الخميس 20 أوت 2026، عندما اعتبر أن ما جرى «مخالف تماماً للقانون التونسي»، ودعا عملياً إلى التعامل مع هذا التحرك من زاوية قانون مكافحة الإرهاب، مستنداً خصوصاً إلى النص الذي يجرّم الإضرار بالمرافق العمومية والموارد الحيوية ووسائل النقل.

لا خلاف في أن إضراباً لم يحترم الإجراءات التي تفرضها مجلة الشغل يمكن أن يكون إضراباً غير قانوني، ولا خلاف كذلك في أن تعطيل نقل المحروقات يمكن أن تكون له تداعيات خطيرة على الحياة اليومية والاقتصاد وحركة المواطنين.

لكن السؤال القانوني الأهم هو:

هل كل إضراب غير قانوني يؤدي إلى تعطيل مرفق حيوي يتحول تلقائياً إلى جريمة إرهابية؟

الجواب، وفق قراءة النصوص القانونية نفسها، هو: لا.

قانون الإرهاب لا يقول إن تعطيل المرفق العمومي إرهاب

استند المحامي إلى القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، وهو استناد يستحق التوقف عنده.

فالقانون يتضمن فعلاً ضمن الأفعال التي يمكن أن تدخل في الجرائم الإرهابية الإضرار بالممتلكات والموارد الحيوية والبنية الأساسية ووسائل النقل والاتصالات والمرافق العمومية.

لكن قراءة هذا الفصل وحده تخلق انطباعاً مضللاً.

فقانون مكافحة الإرهاب لا يعرّف الإرهاب بمجرد وقوع ضرر بمرفق عمومي، وإنما يضع في فصوله التمهيدية شروطاً تتعلق بطبيعة الفعل وسياقه والغاية منه.

وهنا تكمن المسألة التي لا يمكن تجاوزها.

فليس كل شخص يعطل مرفقاً عمومياً إرهابياً، وإلا تحولت مجموعة واسعة من الجرائم والاحتجاجات والنزاعات الاجتماعية إلى جرائم إرهابية بمجرد أن يكون المرفق المعني حيوياً.

هناك فرق بين الفعل غير القانوني والفعل الإرهابي

إذا كان سائقي الشاحنات قد دخلوا فعلاً في إضراب دون احترام مهلة التنبيه والإجراءات التي تفرضها مجلة الشغل، فإن هذا الأمر يمكن أن يجعل الإضراب غير قانوني.

فالفصل 376 مكرر من مجلة الشغل يشترط أن يسبق قرار الإضراب تنبيه بعشرة أيام، كما أن النصوص المنظمة للإضراب تضبط جملة من الإجراءات والضوابط. وتؤكد مجلة الشغل أن الإضراب أو الصد عن العمل يكون غير قانوني عند عدم احترام الأحكام المتعلقة بهذه الإجراءات.

ولكن من هنا إلى القول إن الإضراب غير القانوني أصبح «جريمة إرهابية» مسافة قانونية كبيرة.

الإضراب غير القانوني له تكييفه القانوني، والجريمة الإرهابية لها أركانها وشروطها.

ولا يجوز إسقاط أحد التكييفين على الآخر لمجرد أن نتائج الفعل كانت خطيرة أو أضرت بمصالح المواطنين.

ماذا لو أدى الإضراب إلى شلل توزيع الوقود؟

هنا يمكن أن تتغير طبيعة المسؤولية بحسب الأفعال التي ارتكبها الأشخاص المشاركون.

فإذا ثبت مثلاً أن أشخاصاً تعمدوا استعمال العنف أو التهديد، أو منعوا بالقوة أشخاصاً آخرين من العمل، أو ارتكبوا اعتداءات على الممتلكات أو وسائل النقل، فإن هذه الأفعال يمكن أن تخضع لتكييفات جزائية مختلفة وفقاً لما حدث فعلاً.

أما القول إن مجرد منع صهاريج الوقود من الخروج من المنطقة البترولية يجعل المشاركين إرهابيين، فهو استنتاج لا يكفي فيه الاستناد إلى عبارة «المرافق الحيوية».

القانون الجنائي لا يعمل بهذه الطريقة.

هناك فرق بين وجود فعل مادي مجرّم وبين استيفاء جميع أركان الجريمة التي يريد الادعاء نسبتها إلى الفاعل.

والأهم: أين هو القصد الإرهابي؟

هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الغضب الشعبي من طوابير السيارات أمام محطات الوقود.

قانون مكافحة الإرهاب وضع شروطاً خاصة حتى يأخذ الفعل صفة الإرهاب، ومن بينها الغاية التي استهدفها الفعل وسياقه.

فإذا كان ما أعلن عنه السائقون هو المطالبة بتحسين ظروف العمل وتطبيق اتفاقات سابقة تتعلق بالأجور، فإن هذا المعطى، في حد ذاته، لا يثبت وجود قصد إرهابي.

يمكن أن يكون الإضراب غير قانوني.

يمكن أن يكون الإضراب ضاراً بالمواطنين.

يمكن أن يكون الإضراب مستوجباً للمساءلة.

ويمكن حتى أن تكون هناك أفعال جزائية ارتكبت أثناء الإضراب.

لكن هذه النتائج لا تكفي وحدها لإثبات أن الفعل إرهابي.

والقول بعكس ذلك يعني عملياً أن معيار الإرهاب يصبح «حجم الضرر» فقط، بينما القانون يشترط أكثر من ذلك.

ماذا عن «المصلحة الحيوية للدولة»؟

من الطبيعي أن تكون المحروقات من القطاعات الحساسة، وأن يؤدي توقف توزيعها إلى اضطراب واسع.

وقد أظهرت أحداث 20 أوت 2026 بالفعل حجم التأثير المباشر على المواطنين، مع تعطل نقل المحروقات وظهور طوابير أمام محطات الوقود. كما تناولت وسائل إعلام تونسية الإضراب المفاجئ لسائقي الشاحنات وتأثيره على نقل المحروقات.

لكن أهمية القطاع لا تعني أن كل احتجاج داخله يصبح عملاً إرهابياً.

المرفق الحيوي يرفع خطورة النتائج، لكنه لا يلغي أركان الجريمة.

وهذه نقطة أساسية في أي نقاش قانوني جدي.

«الإضراب السياسي» يحتاج إلى دليل أيضاً

ورد في الطرح المنسوب إلى المحامي أن ما حدث، رغم إعلان مطالب مهنية، هو «إضراب سياسي واصطفاف مع أطراف سياسية معادية للشعب وللدولة».

وهذه بدورها ليست مسألة يمكن حسمها بالاستنتاج.

إذا كانت هناك أدلة على وجود جهة سياسية تقف وراء التحرك أو تحرض عليه أو تموله أو توجهه، فذلك موضوع آخر يمكن التحقيق فيه وإثباته بالأدلة.

أما الانتقال من الشك أو التقدير السياسي إلى اتهام قانوني بالإرهاب، فيحتاج إلى أكثر من مجرد تزامن سياسي أو تقدير شخصي.

للدولة أدوات قانونية أخرى

حتى إذا كان الإضراب غير قانوني، وحتى إذا أدى إلى تعطيل قطاع حساس، فإن الدولة ليست أمام خيارين فقط: إما ترك الإضراب أو استعمال قانون الإرهاب.

هناك آليات قانونية وإدارية ونقابية وقضائية للتعامل مع الإضرابات غير القانونية وتعطيل العمل، إضافة إلى إمكانية مساءلة الأشخاص عن الأفعال الجزائية المحددة التي يرتكبونها.

أما التسخير، فهو بدوره إجراء قانوني له شروطه وإطاره، ولا ينبغي تقديمه وكأنه نتيجة آلية لكل إضراب فجئي.

الخطر في توسيع مفهوم الإرهاب

المشكلة في الدعوة إلى تحويل الإضراب غير القانوني إلى جريمة إرهابية لا تتعلق فقط بهذه الواقعة.

المسألة أعمق.

إذا أصبح تعطيل مرفق عمومي، مهما كانت دوافعه، كافياً وحده لفتح باب قانون الإرهاب، فإن الحدود بين الاحتجاج الاجتماعي والجريمة الإرهابية تصبح شديدة الضبابية.

والنتيجة قد تكون خطيرة على مفهوم الحق في الإضراب نفسه، لأن أي تحرك عمالي في قطاع حيوي يمكن أن يُوضع تحت طائلة قانون مكافحة الإرهاب بمجرد أن يترتب عنه ضرر اقتصادي أو اضطراب في حياة المواطنين.

وهذا ليس ما تقوله النصوص القانونية ببساطة.

نعم للمحاسبة، لكن وفق القانون

من حق المواطنين أن يغضبوا من إضراب مفاجئ يؤدي إلى طوابير أمام محطات الوقود.

ومن حق الدولة أن تضمن استمرار تزويد البلاد بالمحروقات.

ومن حقها أيضاً أن تحاسب من خالف قانون الشغل أو اعتدى على الأشخاص أو الممتلكات أو منع غيره من العمل، إذا ثبت ذلك.

لكن المحاسبة شيء، وتحويل كل إضراب غير قانوني إلى إرهاب شيء آخر تماماً.

المطلوب في قضية سائقي شاحنات المحروقات هو تحديد الوقائع أولاً: هل صدر تنبيه بالإضراب؟ هل احترمت الإجراءات القانونية؟ هل وقعت اعتداءات أو تهديدات؟ هل تم منع العمال بالقوة؟ هل صدرت تعليمات أو تسخيرات رسمية؟ ومن يقف وراء التحرك؟ وما الأدلة على ذلك؟

بعدها فقط يمكن للسلطات القضائية تحديد التكييف القانوني الصحيح.

أما استحضار قانون الإرهاب لمجرد أن المحروقات «مورد حيوي»، فهو قراءة مبتورة للنص.

قانون الإرهاب ليس مظلة لكل فعل يضر بمرفق عمومي، والإضراب غير القانوني لا يتحول آلياً إلى عمل إرهابي.

وفي دولة القانون، لا تقاس خطورة الجريمة فقط بحجم غضب الناس من نتائجها، وإنما أيضاً بمدى انطباق كل أركان النص الجزائي على الفعل والفاعل والقصد.

وهنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش حول إضراب سائقي شاحنات المحروقات في رادس: محاسبة من خالف القانون، نعم؛ لكن من دون توسيع مفهوم الإرهاب إلى ما لم ينص عليه القانون.