في عالم السياسة، اعتاد الناس رؤية القادة والمسؤولين يتشبثون بكراسيهم حتى الرمق الأخير، أو يغادرونها مجبرين إثر فضائح مالية، أو أزمات صحية، أو هزائم انتخابية قاسية. لكن سويسرا، كعادتها، تغرد خارج السرب وتقدم للعالم نموذجاً استثنائياً في الزهد بالمرتبة الرئاسية لسبب قد يراه البعض « عجيباً » أو غير مألوف في القاموس السياسي: فقدان الشغف.
فقد فاجأ الرئيس السويسري الحالي ووزير الاقتصاد المخضرم، « جاي بارميلين »، الشارع السويسري والمراقبين الدوليين بإعلان استقالته الرسمية من المجلس الفيدرالي والحكومة ولم يأتِ هذا التنحي تحت ضغط الشارع، أو بسبب صراع أجنحة داخل السلطة، بل لسبب إنساني خالص صاغه الرئيس بصدق شديد.
إن أطفئت « الشعلة »… وجب الرحيل
أمام عدسات الكاميرات في العاصمة برن، وقف بارميلين (66 عاماً) ليعلن لوسائل الإعلام أنه سيغادر منصبه بحلول 31 ديسمبر المقبل، بعد مسيرة حافلة دامت 11 عاماً في السلطة التنفيذية . وعندما سُئل عن الدافع، لم يلجأ إلى المبررات الدبلوماسية الجاهزة، بل استخدم التعبير الفرنسي الشهير (الشعلة أو الحماس المقدس)؛ معترفاً بكل شجاعة بأن هذه الشعلة الداخلية التي كانت تدفعه للعطاء والعمل لم تعد متقدة كما كانت في السابق، وأنه بات يشعر بـ « التعب » من الأعباء المتزايدة للمنصب .
الرئيس السويسري قطع الطريق أمام أي شائعات أو تأويلات، ونفى صراحة أن يكون قراره ناتجاً عن أزمة صحية أو خلافات سياسية خفية، مؤكداً أنه اتخذ قراره بعد تفكير عميق وهادئ خلال عطلته الصيفية، واضعاً مصلحة البلاد فوق أي اعتبار شخصي .
« المقابر مليئة بأشخاص اعتقدوا أنه لا يمكن الاستغناء عنهم »
لم يخلُ المؤتمر الصحفي من فلسفة سياسية عميقة وأسلوب تهكمي لافت؛ حيث أطلق بارميلين عبارة تصدرت منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العالمية حين قال: « المقابر مليئة بأشخاص اعتقدوا أنه لا يمكن الاستغناء عنهم » .
بهذه الكلمات البسيطة، لخص الرئيس السويسري رؤيته للتداول على السلطة، مؤكداً أن المؤسسات باقية والأشخاص زائلون، وأن الوقت قد حان لإفساح المجال لضخ « دماء جديدة » وأفكار شابة تقود قاطرة الاقتصاد والسياسة السويسرية في المرحلة المقبلة.
درس سويسري في أخلاقيات السلطة
يعكس هذا الموقف العجيب-بمعاييرنا المعاصرة- طبيعة النظام السياسي الفريد في سويسرا، حيث تُدار البلاد عبر مجلس فيدرالي مكون من سبعة أعضاء، ويتناوبون على منصب الرئاسة سنوياً بشكل دوري. في هذا النظام، لا يُنظر إلى الرئيس كـ « حاكم مطلق »، بل كـ « عضو مساوٍ لزملائه » يخدم الصالح العام.
إن استقالة « جاي بارميلين » بسبب « فقدان الشغف » ليست مجرد حدث سياسي عابر في سويسرا، بل هي درس أخلاقي بليغ للمسؤولين حول العالم؛ مفاده أن السلطة مسؤولية وأمانة تتطلب طاقة وحماساً كاملاً، وأنه عندما تنطفئ رغبة العطاء الداخلي، فإن شجاعة الانسحاب تصبح أعظم إنجاز يمكن أن يقدمه القائد لبلده.
أدار « جاي بارميلين » وزارة الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي السويسرية في فترة كانت الأشد اضطراباً في التاريخ الحديث، حيث واجه ملفات حاسمة شكلت ملامح الاقتصاد السويسري:
- إدارة أزمة كورونا والمساعدات المليارية: قاد بارميلين خطط الإنقاذ المالي للشركات السويسرية خلال الجائحة، وأشرف على توزيع حزم دعم ووظائف مؤقتة بمليارات الفرنكات لحماية سوق العمل من الانهيار.
- العلاقات والاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي: تولى إدارة التبعات الاقتصادية الصعبة بعد قرار سويسرا التاريخي بوقف المفاوضات بشأن « الاتفاق الإطاري » مع الاتحاد الأوروبي، وحاول الحفاظ على استقرار الصادرات والتبادل التجاري مع الشريك الأوروبي الأكبر.
- اتفاقيات التجارة الحرة خارج أوروبا: نجح في إبرام وتطوير اتفاقيات تجارية استراتيجية، أبرزها اتفاقية التجارة الحرة مع الهند، لتقليل اعتماد سويسرا الاقتصادي على الأسواق التقليدية وتنويع الشركاء الدوليين.
- ملف التضخم وأزمة الطاقة: قاد جهود حماية القوة الشرائية للمواطن السويسري ودعم قطاع الصناعة في مواجهة التضخم العالمي وأزمة الطاقة التي اندلعت عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
- دعم الابتكار والتعليم والبحث العلمي: ركز على تعزيز تنافسية سويسرا كمركز عالمي للتكنولوجيا والابتكار، من خلال زيادة الاستثمارات في البحوث الأكاديمية وربطها بالشركات الناشئة لضمان ريادة الاقتصاد السويسري.
