شفت صحيفة الغارديان البريطانية عن حملة رقمية واسعة تهدف إلى الترويج للرواية الإسرائيلية عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، من خلال موقع إلكتروني يحمل اسم «معهد هانوفر للسياسات العامة»، بينما تشير معطيات التحقيق إلى أن هذا المعهد لا يبدو أنه كيان قانوني قائم في أي دولة.
وبحسب التحقيق الذي نشرته الصحيفة، نشر الموقع خلال الفترة الممتدة بين 6 و14 أوت 124 تقريرًا تجاوز مجموعها 560 ألف كلمة، أي بمعدل يقارب 4500 كلمة للتقرير الواحد.
وفي يومي 12 و13 أوت وحدهما، نشر الموقع 73 تقريرًا بلغ مجموعها نحو 354 ألف كلمة خلال 48 ساعة، قبل أن يتوقف عن نشر مواد جديدة بعد انكشاف وجوده.
واللافت أن جميع العناوين تقريبًا صيغت في شكل أسئلة تشبه تلك التي قد يطرحها المستخدمون على روبوتات الذكاء الاصطناعي، ومن بينها: «هل معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية؟»، و**«هل طردت إسرائيل الفلسطينيين من أراضيهم؟»، و«هل ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في غزة؟»**.
وتقدم التقارير نفسها في قالب يبدو أكاديميًا ومحايدًا، مع الاستناد إلى مصادر دولية وهيئات معروفة، غير أن تحليل مضمونها يكشف، وفق الغارديان، توجهًا متكررًا إلى تخفيف الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل وإعادة صياغة القضايا المثيرة للجدل بما يخدم الرواية الإسرائيلية.
وتتناول التقارير قضايا شديدة الحساسية، بينها تعذيب الأسرى الفلسطينيين، وجرائم الحرب الإسرائيلية، والاتهامات المتعلقة بتجويع الفلسطينيين في قطاع غزة، والإبادة الجماعية والتهجير والاستيطان، لكنها تقدم هذه القضايا تحت عنوان «أبحاث» صادرة عن مؤسسة تقدم نفسها باعتبارها جهة بحثية مستقلة.
مؤسسة بلا عنوان ولا باحثين
ومن أكثر جوانب القضية إثارة للانتباه أن «معهد هانوفر» لا يحمل، بحسب التحقيق، عنوانًا فعليًا، ولا ينشر أسماء موظفين أو باحثين، كما أن تقاريره لا تحمل أسماء كتاب أو باحثين محددين.
بل إن شروط استخدام الموقع تنص على أن القوانين المنظمة له هي قوانين «الدولة التي يوجد فيها المعهد»، من دون تحديد تلك الدولة.
وكان وجود الموقع قد كُشف للمرة الأولى في 14 أوت، قبل أن يضيف المعهد لاحقًا صفحة خاصة بالتمويل، بعد أن كان يذكر سابقًا أنه يعمل من دون تمويل خارجي.
من الدعاية التقليدية إلى التأثير في روبوتات الذكاء الاصطناعي
ويكشف التحقيق أن المسألة لا تتعلق بموقع دعائي تقليدي فحسب، وإنما بجزء من حملة أوسع تهدف إلى التأثير في الطريقة التي تجيب بها أنظمة الذكاء الاصطناعي عن الأسئلة المتعلقة بإسرائيل وحرب غزة.
وتقوم الفكرة على إنتاج كميات ضخمة من المحتوى الرقمي، وصياغته بطريقة تجعل محركات البحث وروبوتات الذكاء الاصطناعي أكثر قابلية للعثور عليه والاستشهاد به عند الإجابة عن أسئلة المستخدمين.
وكان الموقع، في بدايته، يستخدم ملفًا تقنيًا خاصًا يوجه أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى محتويات الموقع وطريقة قراءتها. واتضح أن الملف كان مرتبطًا بمنصة تجارية متخصصة في تحسين المحتوى لمحركات الذكاء الاصطناعي، أي إعداد المواد بطريقة تزيد فرص ظهورها والاستشهاد بها في إجابات روبوتات المحادثة الذكية.
وتقدم الجهة التي تقف وراء هذه التقنية خدمات تقوم على إعداد محتوى «مصمم» وفق الطريقة التي تعتمدها أنظمة الذكاء الاصطناعي في تقييم مصادر المعلومات.
وتكمن الخطورة، بحسب خبراء استشهدت بهم الغارديان، في أن الأمر لا يتوقف عند دفع روبوتات الذكاء الاصطناعي إلى الاستشهاد بالموقع، وإنما قد يمتد إلى إدخال هذه المواد في قواعد البيانات الضخمة التي تستخدم لاحقًا في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وبذلك يمكن أن تنتقل الرواية التي جرى إنتاجها لهذا الغرض من مجرد مقال منشور على الإنترنت إلى معلومة قد تظهر لاحقًا داخل إجابة يقدمها روبوت ذكاء اصطناعي لمستخدم لا يعرف أصلها الحقيقي.
ملايين الدولارات وشبكة من الشركات
ووفق وثائق رسمية أودعت لدى وزارة العدل الأمريكية بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، فإن شركة أمريكية للإنتاج الإعلامي والعلاقات العامة تدعى «بيرو» سجلت عملها باعتباره مواد توزع لصالح الحكومة الإسرائيلية.
وتظهر الوثائق أن الشركة متعاقدة بقيمة مليون دولار بموجب أمرَي عمل، ضمن حملة أوسع بكثير.
وتشير الغارديان إلى أن شركة «هافاس ميديا ألمانيا» لعبت دور الوسيط في شبكة تضم عدة شركات أمريكية تعمل في إطار الحملة، بينها «بيرو» وشركة «كلوك تاور إكس» وشركة «تارغتد كوميونيكيشنز غلوبال» وشركات أخرى.
وتكشف الملفات الأمريكية أن «هافاس ميديا ألمانيا» دفعت لشركة «كلوك تاور إكس» نحو 15 مليون دولار على ست دفعات، كما دفعت لشركة «تارغتد كوميونيكيشنز غلوبال» أكثر من 9.89 ملايين دولار.
أما إجمالي الإنفاق المرتبط بالحملة الإسرائيلية الأوسع للتأثير الإعلامي والرقمي، فيتجاوز هذه الأرقام بكثير.
هل تستطيع إسرائيل التأثير في «الذكاء الاصطناعي»؟
ويأتي هذا النشاط في وقت تواجه فيه إسرائيل تراجعًا في صورتها لدى الرأي العام الأمريكي، خصوصًا بين الشباب.
وأظهرت استطلاعات رأي أمريكية ارتفاع نسبة الأمريكيين الذين ينظرون بصورة سلبية إلى إسرائيل، في وقت شهدت فيه مواقف الأمريكيين من الحرب في غزة تحولًا ملحوظًا.
ويرى الباحث نيك كليفلاند-ستوت أن الحملة قد تنجح في التأثير في إجابات روبوتات الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تستطيع بالضرورة تغيير اتجاهات الرأي العام.
ويعتبر أن المسألة الأكثر خطورة تتمثل في دخول العالم مرحلة جديدة يمكن فيها للحكومات والشركات والجهات المختلفة محاولة إغراق الفضاء الرقمي بمحتوى مصمم خصيصًا للتأثير في إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وهكذا، لم تعد معركة الدعاية تدور فقط حول ما يقرأه الإنسان في الصحيفة أو يشاهده على شاشة التلفزيون، وإنما بدأت تنتقل إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من يحدد المعلومات التي سيجدها الذكاء الاصطناعي عندما يسأل المستخدم عن الحرب في غزة أو عن إسرائيل؟
إسرائيل تنفي تنفيذ عمليات تأثير
في المقابل، نفت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن تكون الدولة تنفذ «عمليات تأثير» داخل الولايات المتحدة، مؤكدة حرصها على الالتزام بالقانون الأمريكي.
كما قال دانيال روزنبرغ، الشريك المؤسس لشركة «بيرو»، إن شركته تعاقدت من أجل وضع «حقائق دقيقة وموثقة» في السجل العام ومواجهة ما تعتبره معلومات مضللة بشأن إسرائيل.
لكن تحقيق الغارديان يطرح قضية تتجاوز الدعاية التقليدية، وتفتح بابًا جديدًا في معركة المعلومات: إذا أصبحت الحكومات قادرة على إنتاج مئات آلاف الكلمات المصممة خصيصًا لكي تعثر عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي وتستشهد بها، فهل تتحول المعركة المقبلة على الرواية والحقيقة إلى معركة داخل إجابات روبوتات الذكاء الاصطناعي نفسها؟
