أعاد قرار الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية إلغاء عدد من الرحلات على الخطوط البعيدة بسبب «النقص المسجل في القاطرات» فتح ملف قديم ومتراكم يتعلق بوضعية أسطول الشركة وقدرتها على المحافظة على الحد الأدنى من انتظام حركة القطارات.
فقد أعلنت الشركة مساء أمس الأربعاء 26 أوت إلغاء قطار تونس–قابس، قبل أن تلغي الخميس أربعة قطارات أخرى تربط تونس بالكاف وصفاقس والمتلوي وقابس. والسبب الذي قدمته الشركة كان واضحاً ومباشراً: عدم توفر العدد الكافي من القاطرات.
المسألة لا تبدو مرتبطة بعطب مفاجئ لقاطرة أو اثنتين، إذ إن أزمة المعدات في الشركة تعود إلى سنوات، في ظل تقادم جزء مهم من الأسطول وارتفاع كلفة الصيانة وصعوبة توفير قطع الغيار، إلى جانب محدودية الموارد المالية التي تسمح بتجديد المعدات بالسرعة المطلوبة.
وتكشف أرقام سابقة عن حجم المشكلة. فقد تراوحت ديون الشركة الوطنية للسكك الحديدية، وفق تصريحات لمسؤولين فيها، بين 900 مليون ومليار دينار، وهي مديونية تثقل مؤسسة مطالبة في الوقت نفسه بتمويل صيانة شبكة واسعة وتجديد معداتها وتأمين خدمات النقل للمسافرين ونقل الفسفاط.
وتزداد صعوبة الوضع مع تراجع نشاط نقل الفسفاط، الذي كان يمثل أحد أهم موارد الشركة. فقد تراجع النقل الحديدي للفسفاط بشكل حاد مقارنة بما كان عليه قبل سنة 2011، فيما لم يتجاوز المنقول خلال النصف الأول من سنة 2026 حوالي 601 ألف طن، بانخفاض يقارب 23 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وهذا التراجع لا يمثل خسارة لقطاع الفسفاط وحده، بل ينعكس مباشرة على الشركة الوطنية للسكك الحديدية، التي تعتمد على نقل الفسفاط ومشتقاته كمصدر مهم للنشاط والمداخيل. وفي المقابل، تحتاج الشبكة نفسها إلى استثمارات ضخمة حتى تستعيد قدرتها على نقل الكميات السابقة.
وتحاول الدولة معالجة جانب من المشكلة عبر التمويل الخارجي. فقد حصلت تونس خلال السنة الحالية على قرض بنحو 153 مليون دينار لإعادة تأهيل خطوط نقل الفسفاط، ضمن برنامج أوسع لإصلاح وتجديد أجزاء من الشبكة. كما خصصت الدولة في ميزانية 2026 حوالي 700 مليون دينار لدعم قطاع النقل العمومي.
أما على مستوى الأسطول، فقد بدأت مشاريع تجديد محدودة. ففي جوان الماضي تم توقيع عقد لاقتناء خمسة قطارات كهربائية بقيمة 38.2 مليون يورو نحو 130 مليون دينار تونسي لفائدة خط المكنين–المهدية، في إطار مشروع لتطوير هذا الخط وكهربته.
لكن هذه العملية، رغم أهميتها، لا تعني أن أزمة القاطرات التي تعاني منها الخطوط البعيدة قد انتهت. فالقطارات الخمسة موجهة إلى مشروع وخط محدد، بينما تكشف الإلغاءات الأخيرة أن الشركة لا تزال تواجه مشكلة في توفير معدات الجر اللازمة لتأمين عدد من رحلاتها اليومية.
وتكشف هذه المعطيات في النهاية عن مفارقة لافتة في السياسة الحديدية التونسية: الشركة تكافح اليوم لتوفير القاطرات اللازمة لتأمين رحلات عادية، وتحتاج إلى مئات الملايين لإعادة تأهيل شبكتها ومعداتها، في وقت تتجه فيه الدولة إلى إعداد دراسة جدوى لممر حديدي شمال–جنوب عالي الأداء، في خطوة قد تمهد مستقبلاً لمشروع قطار سريع.
ويبقى السؤال الأهم، في حال انتقل المشروع من مرحلة الدراسة إلى التنفيذ، من أين سيأتي تمويله، وكيف يمكن لتونس أن توفق بين كلفة إصلاح منظومة السكك الحالية وكلفة إنشاء منظومة جديدة عالية الأداء؟
