الرئيسيةآخر الأخبارزيت الزيتون التونسي يغزو العالم.. لكن أكثر من 80% منه يغادر سائبا.....

زيت الزيتون التونسي يغزو العالم.. لكن أكثر من 80% منه يغادر سائبا.. إلى متى؟

يواصل زيت الزيتون التونسي تحقيق نتائج قوية في الأسواق العالمية، مع ارتفاع كميات التصدير والعائدات، لكن هذه الأرقام تخفي في المقابل مفارقة اقتصادية كبيرة: أكثر من 80% من عائدات صادرات زيت الزيتون التونسي تأتي من الزيت السائب، في وقت يمكن فيه لتعزيز التعليب والتسويق تحت علامات تونسية أن يرفع القيمة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من موسم 2025-2026، بلغت صادرات زيت الزيتون التونسي نحو 368 ألف طن، بزيادة قدرها 55.3% مقارنة بالفترة نفسها من الموسم السابق، فيما بلغت قيمة المبيعات حوالي 1.4 مليار يورو، بزيادة 44.4%.

وتبدو الأرقام مهمة من حيث حجم الصادرات، لكن توزيع العائدات يكشف جانباً آخر من القصة. فـأكثر من 80% من العائدات تأتي من الزيت السائب، مقابل 18.6% فقط للزيت المعلّب.حسب تقرير لاذاعة لومبرديا المحلية بايطاليا

وتزداد أهمية هذه المعطيات عندما نضعها أمام فارق الأسعار بين النوعين.

3.25 دنانير فارقاً في الكيلوغرام

وفق المعطيات المتاحة، بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من الزيت المعلّب 17.06 ديناراً، مقابل 13.81 ديناراً للكيلوغرام من الزيت السائب.

أي أن الفارق يبلغ نحو 3.25 دنانير لكل كيلوغرام لصالح الزيت المعلّب.

هذا الفارق لا يعني أن كل كيلوغرام من الزيت السائب كان يمكن بيعه بالضرورة بالسعر نفسه بعد تعليبه، ولا يعني أن تونس خسرت فعلياً هذا المبلغ، لأن السعر النهائي للزيت المعلّب يتضمن تكاليف التعليب والتغليف والنقل والتسويق والتوزيع وهوامش مختلف المتدخلين.

لكن الفارق يسمح بقياس حجم القيمة الإضافية النظرية الممكنة إذا تمكنت تونس من تحويل جزء أكبر من صادراتها من الزيت السائب إلى الزيت المعلّب.

1.2 مليار دينار.. ماذا يعني الرقم؟

بلغت صادرات تونس خلال الأشهر التسعة الأولى من الموسم حوالي 368 ألف طن، أي ما يعادل 368 مليون كيلوغرام.

ولو طبقنا، من باب التقدير النظري، فارق السعر البالغ 3.25 دنانير للكيلوغرام على كامل هذه الكمية، فإن القيمة الإضافية النظرية تصل إلى حوالي:

1.196 مليار دينار، أي نحو 1.2 مليار دينار.

لكن هذا الرقم يجب قراءته بدقة.

إنه ليس مبلغاً تقول الأرقام الرسمية إن تونس خسرته فعلياً، ولا يعني أن الخزينة أو المنتجين فقدوا 1.2 مليار دينار.

إنه يمثل فارقاً حسابياً نظرياً في القيمة بين سعر الزيت المعلّب وسعر الزيت السائب، بافتراض ثبات الفارق السعري وتطبيقه على كامل الكميات المصدرة.

والواقع أن تحويل كامل الصادرات إلى زيت معلّب غير واقعي، كما أن تكاليف الانتقال من بيع الزيت السائب إلى المنتج النهائي ستقتطع جزءاً من هذا الفارق.

لكن حتى عند اعتماد نسب محدودة، يصبح الرقم لافتاً.

فلو تمكنت تونس، على سبيل المثال، من تحويل 20% فقط من الكميات المصدرة من الزيت السائب إلى زيت معلّب، فإن الفارق السعري النظري يبلغ نحو 239 مليون دينار.

أما تحويل 30%، فيعني قيمة إضافية نظرية تناهز 359 مليون دينار، بينما يؤدي تحويل نصف الكميات إلى قيمة إضافية نظرية تقارب 598 مليون دينار، وفق الفارق السعري نفسه.

وهنا تظهر المسألة الحقيقية: ليست القضية أن تونس لا تبيع ما يكفي من زيت الزيتون، وإنما أنها لا تحتفظ بما يكفي من القيمة التي يصنعها هذا المنتج بعد خروجه من البلاد.

زيت ممتاز.. لكن في براميل

المفارقة لا تتعلق فقط بحجم التعليب، وإنما بطبيعة المنتج نفسه.

فزيت الزيتون البكر الممتاز يمثل 83.6% من صادرات زيت الزيتون التونسي خلال الفترة المذكورة، أي أن تونس لا تصدر منتجاً منخفض القيمة، بل منتجاً ذا جودة عالية ومطلوباً في الأسواق العالمية.

ويستحوذ الاتحاد الأوروبي على أكثر من 57% من الكميات المصدرة، فيما تأتي إسبانيا في المقدمة بنسبة 32.1%، تليها إيطاليا بنسبة 20%.

وبذلك، فإن الأسواق الأوروبية تمثل فرصة هائلة للمنتج التونسي، لكنها في الوقت نفسه تكشف محدودية حضور العلامة التونسية في المراحل النهائية من سلسلة القيمة.

فالزيت يمكن أن يغادر تونس في شكل سائب، ثم يدخل في بلد آخر مراحل التعليب والتسويق ووضع العلامة التجارية والتوزيع وصولاً إلى المستهلك النهائي.

وهنا لا تذهب قيمة الزيت نفسه إلى الخارج، وإنما جزء من القيمة المضافة التي يمكن أن تنتج عن تحويله إلى منتج نهائي قابل للبيع مباشرة للمستهلك.

لماذا يستمر هذا النموذج؟

الاستمرار في تصدير الزيت السائب له أسباب اقتصادية واضحة.

أولها أن بيع الزيت السائب يوفر للمصدر إمكانية تصريف كميات كبيرة بسرعة، دون تحمل كامل تكاليف بناء العلامة التجارية والتسويق الدولي والتوزيع.

وثانيها أن دخول الأسواق العالمية بعلامة تجارية تونسية يتطلب استثمارات كبيرة في التغليف والتسويق والترويج وشبكات التوزيع، إضافة إلى القدرة على مواجهة علامات تجارية راسخة في الأسواق الأوروبية والعالمية.

كما أن وجود مشترين أوروبيين كبار للزيت السائب يجعل النموذج الحالي سهلاً نسبياً بالنسبة إلى المنتج والمصدر.

لكن سهولة التصدير لا تعني بالضرورة أنه النموذج الأكثر فائدة للاقتصاد الوطني على المدى الطويل.

المشكلة ليست في الزيت السائب

من الخطأ أيضاً التعامل مع تصدير الزيت السائب وكأنه خسارة بحد ذاته.

فالزيت السائب جزء طبيعي من التجارة الدولية، ويوفر لتونس منفذاً مهماً لتصريف الإنتاج وتحقيق العملة الصعبة.

كما أن بعض الأسواق والمشترين يفضلون شراء الزيت السائب لأسباب مرتبطة بسلاسل الإنتاج والتوزيع.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الزيت السائب هو القاعدة، بينما يظل الزيت المعلّب والعلامة التونسية استثناءً محدوداً.

فكلما ارتفعت حصة الزيت المعلّب، زادت إمكانية الاحتفاظ داخل تونس بجزء أكبر من القيمة التي تتولد في مراحل ما بعد الإنتاج.

من تصدير الزيت إلى تصدير العلامة التونسية

المطلوب ليس وقف تصدير الزيت السائب، وإنما تغيير التوازن تدريجياً.

فتونس تحتاج إلى الانتقال من استراتيجية تقوم أساساً على بيع الزيت إلى استراتيجية تقوم على بيع الزيت والعلامة والقصة والجودة في الوقت نفسه.

وهذا يعني الاستثمار في وحدات التعليب، وتطوير العلامات التجارية التونسية، وتحسين التسويق الخارجي، وتسهيل دخول الشركات التونسية إلى شبكات التوزيع الكبرى، ومساندة المؤسسات الصغرى والمتوسطة القادرة على بناء علامات قابلة للتوسع خارجياً.

كما يعني تطوير صناعة مرتبطة بزيت الزيتون تشمل التعليب والتغليف والخدمات اللوجستية والتسويق، حتى تصبح صادرات الزيت محركاً لقطاعات اقتصادية أخرى، وليس مجرد مصدر للعملة الصعبة من خلال تصدير المادة في صورتها السائبة.

المعادلة التي يجب أن تتغير

الأرقام الحالية تقول إن تونس قادرة على تصدير مئات آلاف الأطنان وتحقيق أكثر من مليار يورو من العائدات.

لكن الأرقام نفسها تقول أيضاً إن أكثر من 80% من العائدات مرتبطة بالزيت السائب.

وبفارق سعري يبلغ 3.25 دنانير للكيلوغرام بين الزيت المعلّب والسائب، فإن تطبيق هذا الفارق حسابياً على كامل صادرات الأشهر التسعة الأولى يعطي نحو 1.2 مليار دينار من القيمة الإضافية النظرية المحتملة.

مرة أخرى، هذا ليس رقماً للخسائر الفعلية، وإنما مؤشر على حجم القيمة التي يمكن نظرياً أن تكون متاحة أمام تونس إذا نجحت في رفع نسبة التعليب والقيمة المضافة المحلية.

وهذا ربما هو السؤال الاقتصادي الأهم الذي تطرحه هذه الأرقام:

إذا كانت تونس تملك الأرض والزيت والجودة والخبرة والأسواق، فلماذا لا تحتفظ بجزء أكبر من القيمة التي يصنعها هذا الزيت؟

بعد عقود من تصدير زيت الزيتون، ربما لم يعد السؤال كم طناً نستطيع أن نصدر، وإنما كم قيمة نستطيع أن نحتفظ بها داخل تونس.

أكثر من 80% من العائدات من الزيت السائب.. إلى متى؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى