الرئيسية آخر الأخبار لماذا عجزت وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي عن وقف الاعتداءات على السواحل...

لماذا عجزت وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي عن وقف الاعتداءات على السواحل التونسية؟

0
2
تلوث البحر الأبيض المتوسط
تلوث البحر الأبيض المتوسط

أعاد انتقاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد لأداء وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي، واعتباره أنها « لم تقم بدورها على الوجه المطلوب في العديد من المناطق الساحلية »، فتح ملف ظل مطروحًا منذ سنوات، يتعلق بمدى قدرة هذه المؤسسة على حماية أكثر من 1300 كيلومتر من السواحل التونسية من التلوث والاعتداءات والتوسع العمراني العشوائي.

ورغم أن الوكالة أُحدثت سنة 1995 بهدف حماية الشريط الساحلي والمحافظة على الملك العمومي البحري، فإن الواقع يكشف استمرار مظاهر التدهور البيئي في عدد من المناطق، وسط تساؤلات حول مدى نجاعة المنظومة القانونية والإدارية المكلفة بحماية الساحل.

تلوث متواصل

شهدت عدة مناطق ساحلية خلال السنوات الأخيرة تزايدًا في مستويات التلوث، نتيجة تصريف المياه المستعملة غير المعالجة أو المعالجة جزئيًا، وإلقاء النفايات المنزلية والصناعية، فضلاً عن تدفق الأودية الملوثة نحو البحر.

وتُعد رادس، التي زارها رئيس الجمهورية مؤخرًا، من أبرز الأمثلة على هذه الإشكاليات، حيث تتداخل المسؤوليات بين عدة مؤسسات عمومية، من بينها الديوان الوطني للتطهير، والجماعات المحلية، والمصالح البيئية، إلى جانب وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي.

كما تعاني مناطق أخرى، مثل خليج المنستير، وخليج قابس، وبعض شواطئ صفاقس، من تحديات بيئية مرتبطة بالتلوث الصناعي أو الحضري، وهو ما يؤثر على جودة المياه والتنوع البيولوجي والأنشطة السياحية والصيد البحري.

اعتداءات على الملك العمومي البحري

من بين أبرز الملفات التي واجهتها الوكالة خلال العقود الماضية، انتشار البناءات والتجهيزات المقامة دون سند قانوني على الملك العمومي البحري، سواء من قبل أفراد أو مؤسسات أو مستغلين للفضاءات الساحلية.

ورغم تنفيذ حملات دورية لإزالة بعض التجاوزات، فإن عدداً منها ظل قائمًا لسنوات، بسبب تشعب الإجراءات الإدارية والقضائية، أو لغياب التنسيق الكافي بين مختلف الهياكل المتدخلة، أو بسبب تنفيذ قرارات الإزالة ببطء.

تآكل السواحل… خطر متصاعد

لا تقتصر التحديات على التلوث والتجاوزات، إذ تواجه تونس أيضًا ظاهرة التآكل البحري، التي تهدد العديد من الشواطئ والبنية التحتية الساحلية.

ويعزو خبراء البيئة هذه الظاهرة إلى التغيرات المناخية، وارتفاع مستوى سطح البحر، والتدخلات البشرية، مثل إزالة الكثبان الرملية، وإنجاز منشآت ساحلية تؤثر في حركة الرواسب البحرية.

وتعمل الوكالة على تنفيذ مشاريع لحماية بعض المناطق باستعمال الحواجز البحرية أو تغذية الشواطئ بالرمال، إلا أن حجم الظاهرة يفوق في كثير من الأحيان الإمكانيات المتاحة.

تعدد المتدخلين

يرى مختصون أن حماية الساحل ليست من مسؤولية وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي وحدها، إذ تتداخل صلاحيات عدد من الوزارات والهياكل، من بينها وزارة البيئة، والديوان الوطني للتطهير، ووزارة أملاك الدولة، ووزارة التجهيز، والبلديات، والوكالة الوطنية لحماية المحيط، فضلاً عن السلط الجهوية والأمنية والقضائية.

ويؤكد هؤلاء أن غياب التنسيق بين هذه الأطراف يحد من نجاعة التدخلات ويؤخر معالجة العديد من الملفات البيئية.

إمكانيات محدودة

ورغم اتساع رقعة تدخلها، تواجه الوكالة تحديات مرتبطة بالإمكانات البشرية والمالية واللوجستية، في مقابل تنامي الضغوط على المناطق الساحلية، سواء بفعل النمو العمراني أو التوسع السياحي أو الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

ويرى متابعون أن تطوير أداء الوكالة يتطلب تعزيز مواردها، وتحديث وسائل المراقبة، واعتماد تقنيات رقمية لمتابعة التجاوزات، إلى جانب التسريع في تنفيذ الأحكام المتعلقة بالاعتداء على الملك العمومي البحري.

مرحلة جديدة؟

تأتي تصريحات رئيس الجمهورية في سياق دعوات متزايدة إلى تشديد الرقابة على الشريط الساحلي، وتفعيل مبدأ « الملوّث يدفع »، وتطبيق القانون على كل من يعتدي على البيئة أو يستغل الملك العمومي البحري بصفة غير قانونية.

ويبقى نجاح هذه التوجهات رهين توفير الإمكانيات اللازمة، وتكريس التنسيق بين مختلف المؤسسات، واعتماد مقاربة شاملة تجعل حماية الساحل مسؤولية جماعية، باعتباره ثروة وطنية ذات أهمية بيئية واقتصادية وسياحية واستراتيجية.