الرئيسية آخر الأخبار لماذا يكون بيت التونسي نظيفاً بينما يتحول الشارع أمامه إلى « مزبلة »؟

لماذا يكون بيت التونسي نظيفاً بينما يتحول الشارع أمامه إلى « مزبلة »؟

0
1
blank

ربما تحتاج تونس اليوم إلى ما هو أكثر من حملة ظرفية لتنظيف الشوارع تحتاج إلى مشروع وطني يعيد تعليم المواطن معنى العيش في الفضاء العام.

فالمشكلة لم تعد مجرد أكياس بلاستيكية مرمية هنا أو هناك. عندما تصبح الفضلات جزءاً من المشهد اليومي، وعندما يحتل الرصيف، وتتشوه الواجهات، وتتحول بعض المساحات العامة إلى نقاط سوداء، فإننا لا نكون أمام مشكلة نظافة فقط، بل أمام مشكلة سلوك مدني وعلاقة المواطن بالمدينة والدولة وبقية المواطنين.

ولهذا ربما آن الأوان لاستعادة فكرة الحملات الوطنية التي عرفتها تونس في فترات سابقة، ومنها حملات ارتبطت في الذاكرة الجماعية بمرحلة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، مثل الدعوة إلى «حسن هندامك»، ليس لاستنساخ الماضي، وإنما لاستعادة فكرة أساسية: الدولة يمكن أن تضع قواعد للسلوك العام، والمجتمع يمكن أن يتعلم احترامها عندما تكون القاعدة واضحة ويطبقها الجميع.

البداية من الفضلات: ساعة محددة للجميع

لماذا لا تكون هناك، في كل حي، مواعيد رسمية لإخراج الفضلات المنزلية؟

ليس من المعقول أن يضع المواطن كيس الفضلات في أي ساعة من الليل أو النهار، ثم تبقى الأكياس ساعات طويلة تحت الشمس وفي انتظار الحيوانات والرياح.

يمكن تحديد ساعات واضحة لكل حي، مثلاً:

من السابعة إلى التاسعة مساءً.

تخرج الفضلات في هذه الفترة، وتتكفل مصالح النظافة برفعها في توقيت معلوم.

وبذلك يعرف المواطن:

متى أخرج الفضلات؟

وتعرف البلدية:

متى يجب أن تمر؟

ويعرف العون:

ما هو البرنامج الذي يجب احترامه؟

ويعرف الجميع أن مخالفة التوقيت ليست مجرد نصيحة، وإنما مخالفة يمكن مراقبتها وتطبيق غرامتها بعد توفير الشروط الضرورية.

لا يمكن مطالبة المواطن بالانضباط إذا لم توفر الدولة الخدمة

وهنا الشرط الأساسي.

لا يمكن أن نقول للمواطن «لا تخرج الفضلات إلا بين السابعة والتاسعة» ثم تأتي شاحنة النظافة في منتصف النهار التالي.

الانضباط يجب أن يكون متبادلاً.

الدولة تحدد التوقيت وتلتزم بالرفع.

المواطن يحترم التوقيت.

ومن يخالف يدفع غرامة.

بهذه الطريقة تتحول النظافة من أمنية إلى نظام يومي.

لماذا لا تعود «الدوشات العمومية»؟

قد يبدو الاقتراح غريباً اليوم، لكنه في الحقيقة يعيد طرح سؤال مهم حول الصحة والنظافة والخدمات العمومية.

يمكن إنشاء حمامات ودوشات عمومية حديثة في الأحياء، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة والمناطق التي تعاني من ضعف التجهيزات.

لكنها لا تكون مجرد «دوشات» بالمعنى القديم.

بل يمكن أن تكون مراكز نظافة وخدمات اجتماعية صغيرة:

حمامات، دوشات، مغاسل، مرافق صحية، وربما فضاءات لغسل الملابس في بعض المناطق.

والهدف ليس فقط النظافة الجسدية، وإنما أيضاً توفير خدمة عمومية محترمة لمن يحتاج إليها.

والواجهات أيضاً

لماذا لا تخصص كل بلدية فترة سنوية لإعادة الاعتناء بواجهات المباني والمحلات؟

ليس بالضرورة أن تفرض الدولة لوناً واحداً على كامل تونس، لكن يمكن لكل مدينة أو حي أن يعتمد هوية لونية واضحة.

مثلاً:

  • المدينة العتيقة: ألوان محددة؛
  • الأحياء السكنية: مجموعة ألوان متناسقة؛
  • المناطق السياحية: طابع معماري موحد؛
  • الشوارع التجارية: قواعد خاصة للواجهات واللافتات.

وتعلن البلدية عن شهر التهيئة والنظافة والجمال كل سنة.

وخلاله يتم:

دهان الواجهات.

إزالة الكتابات العشوائية.

تنظيم اللافتات.

إصلاح الأرصفة.

تشجير الشوارع.

تنظيف المساحات العامة.

إصلاح الإنارة.

وهكذا لا تصبح النظافة مجرد رفع للفضلات، وإنما إعادة تأهيل للمشهد الحضري كله.

لكن هناك شيء أهم: «حسن هندام مدينتك»

ربما يجب أن تتغير الفكرة من:

«حسن هندامك»

إلى:

«حسن هندام مدينتك»

فإذا كان المواطن مطالباً بأن يهتم بمظهره، فلماذا لا تكون المدينة نفسها مطالبة بمظهر محترم؟

نريد مواطناً نظيفاً، لكن نريد أيضاً:

شارعاً نظيفاً.

رصيفاً صالحاً.

حديقة نظيفة.

مبنى عمومياً محترماً.

حاويات نظيفة.

إنارة تعمل.

واجهات منظمة.

ودورات مياه عمومية محترمة.

التهذيب المدني لا يمكن أن يكون من طرف واحد.

مدرسة المواطنة تبدأ من الطفل

وهنا يجب أن تكون الحملة مختلفة عن الحملات الإعلامية القصيرة.

يمكن إدخال مفهوم السلوك المدني منذ المدرسة:

لا ترمِ الفضلات.

احترم الطابور.

احترم الرصيف.

لا تعتدِ على الملك العام.

حافظ على الماء.

احترم المساحات الخضراء.

لا تكتب على الجدران.

احترم الجيران.

ولا تقتصر الدروس على الكلام.

يمكن أن يصبح لكل مدرسة يوم شهري للحي، يشارك فيه التلاميذ في تشجير محيط المدرسة أو العناية بفضاء عام، بالتنسيق مع البلدية.

ليس لتنظيف الشوارع نيابة عن الدولة، وإنما لتعليم الطفل أن الفضاء العام ملك له أيضاً.

والأهم: لا حصانة لأحد

الحملة التي لا تطبق القانون على الجميع ستفشل.

إذا عوقب المواطن الذي يرمي كيساً من الفضلات، بينما يترك محل تجاري مخلفاته في الشارع، أو يلقي صاحب ورشة بقايا عمله في الرصيف، أو تتحول أرض عمومية إلى مصب عشوائي، فلن يقتنع أحد بفكرة «المواطنة».

لذلك يجب أن تكون القاعدة واحدة:

الفرد، المحل التجاري، المصنع، المطعم، الإدارة، الجميع.

تونس لا تحتاج إلى «حملة تنظيف» تنتهي بعد أسبوع

تونس تحتاج إلى عقد نظافة جديد بين المواطن والدولة.

الدولة تقول:

سنرفع الفضلات في الموعد.

سنضع الحاويات.

سنراقب.

سننظف.

سنصلح الأرصفة.

سنهيئ الحدائق.

سنطبق القانون.

والمواطن يقول:

سأحترم التوقيت.

لن أرمي الفضلات.

سأحافظ على الملك العام.

سأحترم جاري.

وسأحاسب أيضاً من يخرق القواعد.

وهنا فقط يمكن أن تنجح الفكرة.

لأن القضية في النهاية ليست «زبلة» في الشارع.

القضية هي:

أي مدينة نريد أن نعيش فيها؟

مدينة يعتبر فيها كل واحد أن منزله هو حدوده الأخيرة؟

أم مدينة يشعر فيها المواطن أن الرصيف الذي أمام منزله، والحديقة الموجودة في حيه، والشارع الذي يسلكه كل يوم، هي أيضاً جزء من بيته؟

ربما تونس لا تحتاج إلى العودة إلى الماضي.

لكنها تحتاج بالتأكيد إلى استعادة شيء فقدناه: الإحساس بأن النظام والنظافة والجمال واحترام الآخر ليست مهمة الدولة وحدها، وليست مهمة المواطن وحده، وإنما عقد جماعي لا يستطيع أي طرف أن يتخلى عنه.