الرئيسية آخر الأخبار لهذه الأسباب تخسر تونس مهندسيها… 45 ألف كفاءة غادرت خلال عشر سنوات

لهذه الأسباب تخسر تونس مهندسيها… 45 ألف كفاءة غادرت خلال عشر سنوات

0
345
blank

لم تعد هجرة المهندسين التونسيين مجرد ظاهرة مرتبطة برغبة بعض الكفاءات في خوض تجارب مهنية خارج البلاد، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للقلق، باعتبارها تمسّ أحد أهم عناصر بناء الاقتصاد الحديث: رأس المال البشري.

فوفق معطيات قدمها عميد المهندسين التونسيين محسن الغرسي، فإن نحو 42 بالمائة من المهندسين المرسمين بجدول العمادة غادروا تونس خلال العقد الأخير، أي ما يقارب 45 ألف مهندس. وهو رقم يعكس تحوّل الهجرة من حالات فردية إلى نزيف مستمر للكفاءات التي استثمرت الدولة سنوات طويلة في تكوينها.

عندما يصبح الخارج أكثر إغراء من الداخل

السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه هو: لماذا يغادر المهندس التونسي بلاده بعد سنوات طويلة من الدراسة والتكوين؟

الإجابة الأولى ترتبط بالجانب المادي. فالمهندس حديث التخرج يجد نفسه أمام واقع مهني لا يتناسب في كثير من الأحيان مع مستوى التكوين والمسؤوليات المنتظرة منه. إذ ينطلق الأجر الشهري للمهندس الشاب في حدود 1500 دينار، وهو مستوى تعتبره الهياكل المهنية غير قادر على منافسة العروض التي تقدمها الأسواق الخارجية.

في المقابل، يجد المهندس التونسي في عدد من الدول الأجنبية فرصا توفر أجورا أعلى بكثير، إلى جانب ظروف عمل أكثر استقرارا، ومسارات واضحة للتطور المهني، وهو ما يجعل قرار الهجرة بالنسبة إلى العديد من الكفاءات خيارا مهنيا منطقيا وليس مجرد بحث عن تحسين الدخل.

دولة تكوّن ومؤسسات تخسر

المفارقة أن تونس تعد من البلدان التي تمتلك منظومة تكوين هندسي ذات سمعة جيدة، وهو ما يفسر الإقبال الكبير من المؤسسات الأجنبية على استقطاب المهندسين التونسيين، خاصة في مجالات الإعلامية والتكنولوجيات الحديثة والقطاعات الصناعية.

لكن نجاح المنظومة التعليمية يتحول إلى خسارة عندما لا تجد هذه الكفاءات طريقها إلى الإنتاج داخل البلاد. فالدولة تنفق على تكوين مهندس يمتلك قدرات عالية، ثم يجد هذا المهندس نفسه مدفوعا إلى سوق عمل خارجي يوفر له ما لا يجده محليا.

وهنا تتحول الهجرة إلى مفارقة مؤلمة: جودة التكوين التونسي تصبح عاملا في استقطاب المهندسين نحو الخارج بدل أن تكون رافعة لتطوير الاقتصاد الوطني.

أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أجور

رغم أهمية العامل المالي، فإن أسباب الهجرة لا تختزل في الأجور فقط. فجزء من المهندسين يربط قرار المغادرة أيضا بالشعور بغياب التقدير المهني، وببطء الإصلاحات، وعدم تنفيذ بعض الاتفاقات السابقة المتعلقة بتحسين الوضعية المهنية.

ويشير مهنيون إلى أن عدم الاستقرار في المسار الوظيفي، وضعف فرص التطور داخل بعض المؤسسات، وغياب مشاريع كبرى قادرة على استيعاب الطاقات الشابة، كلها عوامل تدفع بالكفاءات إلى البحث عن بيئة أكثر قدرة على الاستثمار في خبراتها.

فالمهندس لا يبحث فقط عن راتب أفضل، بل عن مشروع مهني يمنحه الإحساس بأن سنوات الدراسة والجهد يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة حقيقية.

هجرة المهندسين خسارة تنموية

تكمن خطورة هجرة المهندسين في أن تأثيرها لا يتوقف عند فقدان عدد من الموظفين أو الإطارات، بل يمتد إلى قدرة البلاد على تنفيذ مشاريعها ومواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

فالقطاعات المرتبطة بالرقمنة والصناعة والطاقة والبنية التحتية تحتاج إلى كفاءات هندسية متخصصة، وأي نقص في هذه الموارد البشرية قد يؤدي إلى إبطاء المشاريع وإضعاف قدرة المؤسسات على المنافسة.

كما أن مغادرة أصحاب الخبرة تمثل خسارة مضاعفة، لأن البلاد لا تفقد فقط مهندسا، بل تفقد سنوات من التجربة والمعرفة التي يصعب تعويضها بسرعة.

هل يمكن تحويل المهاجرين إلى فرصة؟

رغم حجم النزيف، فإن وجود عشرات الآلاف من المهندسين التونسيين في الخارج يمكن أن يتحول إلى فرصة إذا تم بناء علاقة جديدة معهم تقوم على الشراكة وليس فقط على الدعوة إلى العودة.

فالعديد من الكفاءات التونسية بالخارج تمتلك اليوم خبرات واسعة داخل شركات ومؤسسات عالمية، ويمكن أن تساهم في نقل المعرفة والاستثمار وإنشاء مشاريع جديدة في تونس، شرط توفير مناخ إداري وتشريعي أكثر مرونة.

لكن وقف النزيف يبقى مرتبطا قبل كل شيء بتحسين وضعية المهندس داخل تونس: أجورا أكثر تنافسية، بيئة عمل أفضل، ورؤية اقتصادية قادرة على منح الكفاءات دورا حقيقيا في بناء المستقبل.

إن قضية هجرة المهندسين ليست قضية مهنية تخص قطاعا بعينه، بل هي اختبار لقدرة تونس على الاحتفاظ بعقولها التي تمثل أحد أهم مواردها. فالدول لا تتقدم فقط بما تملكه من ثروات طبيعية، بل بما تستطيع الحفاظ عليه من كفاءات بشرية.