في قراءة نقدية لمخطط التنمية 2026-2030، أثارت الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة إشكالية جوهرية تتعلق بمدى قدرة هذا المخطط على الانتقال من مستوى الطموحات المعلنة إلى واقع التنفيذ الفعلي، في ظل تراكم تجارب سابقة لم تنجح في تحقيق أهدافها بالكامل.
عندما أُعلن عن مخطط التنمية الجديد، قُدم باعتباره تحولاً نوعياً في طريقة إدارة التنمية في تونس، يقوم على التخطيط التصاعدي الذي ينطلق من الجهات والمواطنين نحو المركز، في قطيعة مع النماذج السابقة التي واجهت انتقادات حادة بسبب مركزية القرار وضعف العدالة الجهوية.
على الورق، تبدو الأهداف طموحة: نمو اقتصادي في حدود 4.2 بالمائة، التحكم في التضخم، رفع مساهمة الطاقات المتجددة، تسريع الرقمنة، وتقليص الفوارق بين الجهات.
لكن السؤال الذي تطرحه الجمعية لا يتعلق بجمالية الأرقام، بل بمدى توفر الأدوات الفعلية لتحقيقها.
الفجوة بين الطموح والواقع
تؤكد المعطيات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة أن تونس سجلت معدلات نمو متواضعة مقارنة بحجم التحديات البنيوية، في وقت تستهدف فيه الخطة الجديدة مضاعفة هذا الأداء تقريباً.
وترى الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة أن الإشكال لا يكمن في غياب الرؤية، بل في الفجوة المستمرة بين التخطيط والتنفيذ.
فضعف الاستثمار الخاص، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وهروب الكفاءات، وارتفاع كلفة الإنتاج، كلها عوامل ما تزال تلقي بظلالها على مناخ الأعمال.
التنفيذ… الحلقة المفقودة
منذ عقود، تتكرر المخططات التنموية في تونس، لكن المشكلة الأساسية ظلت مرتبطة بمرحلة التنفيذ.
وتشير التجارب السابقة إلى أن عدداً مهماً من المشاريع المبرمجة لم يكتمل أو تأخر إنجازه بسبب عراقيل إدارية أو تمويلية أو عقارية.
وفي هذا السياق، تعتبر الجمعية أن أي مخطط جديد، مهما كان طموحاً، لن يحقق أهدافه إذا لم يتم إصلاح آليات التنفيذ ومتابعة المشاريع بشكل صارم وفعّال.
الشركات الأهلية بين الرهان والاختبار
يراهن مخطط 2026-2030 على الشركات الأهلية كأداة لدفع التنمية المحلية.
غير أن نجاح هذا الخيار يظل مرتبطاً بتوفر شروط أساسية، أبرزها الحوكمة الرشيدة، والتمويل المستدام، والكفاءة الإدارية، والقدرة على الاندماج في الاقتصاد الحقيقي.
وتحذر الجمعية من أن غياب هذه الشروط قد يحول هذه الآلية من رافعة تنموية إلى عبء إضافي على المالية العمومية.
العدالة الجهوية: الوعد المتجدد
رغم تكرار شعار تقليص الفوارق بين الجهات في مختلف المخططات السابقة، لا تزال الفجوات التنموية قائمة بين المناطق الساحلية والداخلية.
وتطرح الجمعية سؤالاً محورياً: ما الذي يجعل مخطط 2030 مختلفاً عن المخططات السابقة التي رفعت نفس الشعارات دون تحقيق نتائج حاسمة؟
الإصلاح التشريعي شرط أساسي
تؤكد الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة أن تحقيق نمو اقتصادي مستدام يتطلب مراجعة شاملة للإطار التشريعي المنظم للاستثمار والاقتصاد.
فالقوانين الحالية، وفق هذا التصور، لم تعد تواكب التحولات الاقتصادية العالمية، وتساهم أحياناً في إبطاء المبادرة الاقتصادية بسبب التعقيد وتعدد الإجراءات.
وتشمل الأولويات المقترحة تحديث منظومة الاستثمار، تبسيط إجراءات بعث المؤسسات، تطوير قانون الصرف، وتحيين التشريعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والابتكار.
من التخطيط إلى القيادة التنفيذية
ترى الجمعية أيضاً أن نجاح المخطط يتطلب تعزيز الدور التنفيذي للمؤسسات الاقتصادية العمومية، وعلى رأسها وزارة الاقتصاد والتخطيط، بما يجعلها قادرة على التنسيق الفعلي بين مختلف الهياكل المتدخلة في الاستثمار.
فكثرة المتدخلين الإداريين، وتعدد المرجعيات، غالباً ما يؤدي إلى تعطيل المشاريع أو إطالة آجال تنفيذها.
يحمل مخطط التنمية 2026-2030 أهدافاً مهمة وطموحة، لكنه يظل، في نظر الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، رهين القدرة على التنفيذ الفعلي وليس فقط جودة التصور.
فالتجربة التونسية تؤكد أن التحدي الحقيقي ليس في كتابة المخططات، بل في تحويلها إلى مشاريع واقعية تخلق الثروة وفرص العمل وتحسن ظروف العيش.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح تونس هذه المرة في كسر حلقة « التخطيط دون تنفيذ »؟



