لم يكن المزاد الفني الذي نظمته دار كريستيز العالمية في أبوظبي مجرد مناسبة لبيع لوحات وتحف فنية، بل تحول إلى حدث لافت في سوق الفن العالمي، حمل معه خبراً مهماً لتونس: لوحة للفنان التشكيلي التونسي الراحل جلال بن عبد الله بيعت بأكثر من 200 ألف دولار، محققة رقماً قياسياً جديداً في مسيرته الفنية.
ويتعلق الأمر بلوحة «العازفات» التي أنجزها جلال بن عبد الله سنة 1973، والتي بيعت مقابل 204 آلاف و800 دولار، أي ما يعادل تقريباً 630 ألف دينار تونسي، متجاوزة بأربعة أضعاف الرقم القياسي السابق المسجل باسم الفنان سنة 2007.
والأهمية هنا لا تتوقف عند قيمة البيع، بل تتجاوزها إلى عودة الاهتمام الدولي بأعمال أحد أبرز الأسماء التي ساهمت في تشكيل المشهد التشكيلي التونسي الحديث، ووصول أعماله إلى مزادات عالمية تستقطب كبار جامعي التحف الفنية والمستثمرين في الفن.
وتندرج هذه اللوحة ضمن مجموعة فنية مرموقة تابعة لمجموعة الدلّول في بيروت، وهي من المؤسسات التي ساهمت في جمع الأعمال الفنية العربية الحديثة والمحافظة عليها والتعريف بها دولياً.
لكن اللوحة التونسية لم تكن وحدها صاحبة المفاجأة في هذا المزاد.
فقد بلغت القيمة الإجمالية لمبيعات مزاد «مواسم» 8.94 ملايين دولار، أي ما يقارب 28 مليون دينار تونسي، في أول مزاد للفنون الجميلة تنظمه كريستيز في أبوظبي، بعد عشرين عاماً من دخولها سوق الخليج.
وتصدرت الأمسية لوحة «تنويعات على الشكل السداسي» للفنانة الإيرانية منير شهرودي فرمانفرمائيان، التي بيعت مقابل 844 ألفاً و800 دولار، بعد منافسة استمرت قرابة سبع دقائق، رغم أن تقديرات بيعها المسبقة تراوحت بين 150 و250 ألف دولار فقط.
كما بيعت لوحة «مقهى بغداد» للفنان العراقي فيصل لعيبي صاهي مقابل 512 ألف دولار، فيما حققت لوحة «حفلات الزفاف» للفنان الأرمني الفلسطيني بول غيراغوسيان 486 ألفاً و400 دولار.
ومن بين النتائج اللافتة أيضاً بيع لوحة «امرأة زهرة» للفنانة الفلسطينية جوليانا سيرافيم مقابل 83 ألفاً و200 دولار، فيما حققت أعمال أخرى لفنانين من المنطقة أرقاماً قياسية جديدة.
وقد شهد المزاد مشاركة أعمال لفنانين من بلدان مختلفة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مؤكداً أن سوق الفن العربي لم يعد محصوراً في دوائر محلية، بل أصبح جزءاً من حركة اقتناء واستثمار دولية تتنافس فيها مؤسسات وجامعو أعمال فنية من مختلف أنحاء العالم.
ومن المؤشرات التي تستحق الانتباه أن أكثر من 30 بالمائة من المسجلين للمشاركة في المزاد ينتمون إلى جيلي الألفية والجيل زد، فيما شكل الزبائن الجدد لدى كريستيز 37 بالمائة من المشاركين، وهو ما يعكس دخول فئات شابة إلى سوق اقتناء الأعمال الفنية.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية بالنسبة إلى تونس، لأن جلال بن عبد الله، الذي رحل سنة 2017، لم يكن مجرد فنان تونسي معروف، بل أصبح اسمه حاضراً في سوق دولية تقاس فيها قيمة الأعمال الفنية بمدى الإقبال عليها واستعداد المقتنين لدفع مبالغ كبيرة مقابلها.
والسؤال الذي تطرحه هذه النتيجة على المؤسسات الثقافية التونسية هو: إلى أي مدى نجحنا في تثمين رصيدنا التشكيلي والتعريف بفنانينا خارج حدود البلاد؟ وهل يمكن تحويل هذا التراث الفني إلى قيمة ثقافية واقتصادية تستفيد منها تونس؟
فبينما تتنافس أبوظبي على استقطاب دور المزادات العالمية، وتستعد لاستقبال مزادات جديدة، من بينها مزاد دار سوذبيز المقرر يوم 10 ديسمبر، تظل الأسماء التونسية قادرة على فرض حضورها في هذا المشهد.
جلال بن عبد الله قدم من جديد دليلاً على أن الفن التونسي يمتلك قيمة تتجاوز حدود الوطن، وأن الاعتراف الدولي به يمكن أن يتحول أيضاً إلى قيمة مالية ملموسة.
***توفي يوم نوفمبر 2017، الرسام التشكيلي الكبير « جلال بن عبد الله » ، وهو يُعدّ من أبرز الفنانين التشكيليين الذين وقّعوا لبصمة فنية فريدة.
وقد ولد الرسام الفقيد عام 1921 في ضواحي تونس العاصمة ، وعاش في وسط شعبي أثّر فيما بعد على مضمون أعماله الفنية التي تترجم جانبا من حياة الناس الشعبية والبسيطة.
وكانت أشهر أعماله غارقة في المحلية وببصمة تونسية أصيلة ، وبذلك فقد أوجد هذا الرسّام لنفسه أسلوبا فنيا خاصا وعالقا بسهولة في الذاكرة الجماعية.
