الرئيسية آخر الأخبار ماذا وراء الجدل المتصاعد حول مجموعة كاستال؟

ماذا وراء الجدل المتصاعد حول مجموعة كاستال؟

0
5
Pierre Castel - sfbt
Pierre Castel - sfbt

في خضم الجدل المتصاعد حول دور الشركات الأجنبية في الاقتصاد التونسي، تعود تجربة مجموعة كاستال في تونس إلى الواجهة باعتبارها واحدة من التجارب الاستثمارية التي رافقت التحولات الاقتصادية للبلاد على امتداد عقود.

فمنذ دخولها السوق التونسية، لم تقتصر تجربة المجموعة على مجرد نشاط تجاري، بل ارتبطت بتطوير مؤسسات صناعية وخلق منظومة إنتاجية ساهمت في تحريك قطاعات متعددة، وتوفير مواطن شغل، وتطوير الخبرات المحلية.

استثمار طويل المدى وليس حضورا ظرفيا

على عكس العديد من الاستثمارات التي ترتبط بفرص ظرفية ثم تنسحب عند تغير الظروف، اختارت مجموعة كاستال بناء حضور طويل الأمد في تونس، والاستمرار في الاستثمار رغم التحولات الاقتصادية والسياسية التي عرفتها البلاد.

ويعتبر المدافعون عن هذه التجربة أن استمرار المجموعة لعقود يمثل مؤشرا على ثقتها في الاقتصاد التونسي، وعلى قدرتها على التأقلم مع مختلف المراحل التي مرت بها البلاد.

فالاستثمار الأجنبي لا يقاس فقط بحجم الأرباح، بل أيضا بحجم القيمة المضافة التي يخلقها من خلال الإنتاج، والتشغيل، ونقل الخبرات، والمساهمة في الدورة الاقتصادية.

شركات تونسية بإدارة وخبرات محلية

ورغم ارتباط المجموعة برأس مال أجنبي، فإن نشاطها في تونس يقوم على مؤسسات تعمل داخل الإطار القانوني التونسي، وتوفر مواطن شغل مباشرة وغير مباشرة، وتعتمد على كفاءات تونسية في مختلف مستويات الإدارة والتسيير.

كما أن وجود شركات كبرى في السوق يساهم، حسب مؤيدي الاستثمار الخاص، في تطوير المعايير الصناعية، وتحسين أساليب التسيير، ورفع مستوى التنافسية داخل الاقتصاد الوطني.

الخصخصة… خيار اقتصادي اتبعته الدولة

يرتبط جزء من النقاش حول مجموعة كاستال بمرحلة إعادة هيكلة المؤسسات العمومية وفتح رأس مال بعض الشركات أمام القطاع الخاص.

غير أن هذه الخيارات لم تكن مرتبطة بمؤسسة واحدة، بل كانت جزءا من توجه اقتصادي اعتمدته تونس، مثل العديد من الدول، بهدف تخفيف أعباء الإدارة العمومية، وجذب رؤوس الأموال، وتحسين أداء بعض المؤسسات.

وبالتالي فإن تقييم هذه المرحلة يجب أن يتم في إطار شامل يتعلق بالسياسات الاقتصادية التي اختارتها الدولة في ذلك الوقت، وليس من خلال تحميل المستثمر وحده مسؤولية خيارات رسمية اتخذتها مؤسسات الدولة.

الرقابة حق للدولة… لكن دون أحكام مسبقة

من الطبيعي أن تخضع كل المؤسسات، مهما كان حجمها أو جنسيتها، للرقابة الجبائية والقانونية. فهذا جزء أساسي من عمل الدولة.

لكن في المقابل، فإن الشركات، وخاصة التي لها تاريخ طويل من النشاط والاستثمار، من حقها أيضا أن تتمتع بقرينة البراءة، وأن لا تتحول النقاشات العامة إلى أحكام مسبقة قبل استكمال الإجراءات القانونية.

فالاقتصاد يحتاج إلى رقابة قوية، لكنه يحتاج أيضا إلى مناخ ثقة يحفز المستثمرين على الاستمرار.

كاستال والنقاش حول الاستثمار الأجنبي

تكشف تجربة مجموعة كاستال في تونس عن سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الاستثمار الأجنبي في البلاد: هل تريد تونس استثمارات طويلة المدى أم رؤوس أموال تبحث فقط عن فرص ظرفية؟

فالمؤسسات التي تختار البقاء لعقود، وتواصل الإنتاج والتشغيل رغم الصعوبات، تمثل أحد عناصر الاستقرار الاقتصادي، خاصة في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى النمو وخلق الثروة.

وفي النهاية، فإن تقييم أي تجربة اقتصادية يجب أن يقوم على الأرقام والنتائج: حجم الاستثمار، مواطن الشغل، المساهمة في الاقتصاد، واحترام القانون.

أما النقاش العام، فكلما ابتعد عن الأحكام الجاهزة واقترب من الحقائق والمعطيات، كان أكثر خدمة للاقتصاد الوطني ولصورة تونس كوجهة للاستثمار.