في الوقت الذي حذرت فيه منظمة العمل الدولية من ارتفاع معدل بطالة الشباب عالمياً، تكشف الأرقام التونسية عن أزمة أكثر حدة، إذ لا تزال بطالة الشباب في تونس تتجاوز بكثير المعدل العالمي، بينما تتفاقم في المقابل أزمة حاملي الشهائد العليا، وخاصة النساء.
فقد أظهر التقرير السنوي لمنظمة العمل الدولية حول تشغيل الشباب أن معدل البطالة العالمي للفئة العمرية بين 15 و24 سنة بلغ 12.4% خلال سنة 2025، مقابل 12.3% سنة 2024، أي ما يعادل نحو 67 مليون شاب عاطل عن العمل.
كما ارتفعت نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً إلى نحو 20%، بما يمثل أكثر من 257 مليون شاب حول العالم.
وتتوقع المنظمة أن يستقر معدل بطالة الشباب عالمياً عند حدود 12.3% خلال سنتي 2026 و2027.
لكن خلف هذه الأرقام العالمية، تبرز تونس بوضع أكثر صعوبة، إذ بلغ معدل بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة 37.5% خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، وفق آخر مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المعدل العالمي الذي سجلته منظمة العمل الدولية.
تونس.. تراجع عام لا يخفي أزمة الشباب
وأظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء تراجع معدل البطالة العام في تونس إلى 15% خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، مقابل 15.2% خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025.
كما انخفض عدد العاطلين عن العمل من 645.2 ألفاً إلى 641.7 ألف شخص.
وفي المقابل، ارتفع عدد السكان النشيطين إلى 4 ملايين و268 ألف شخص، مقابل 4 ملايين و255 ألفاً خلال الثلاثي السابق، فيما ارتفع عدد المشتغلين إلى 3 ملايين و626 ألفاً و300 شخص، مقابل 3 ملايين و609 آلاف و800 شخص.
ويبدو المشهد، من خلال هذه الأرقام، إيجابياً للوهلة الأولى: بطالة أقل، عدد أكبر من المشتغلين، ومعدل نشاط ارتفع من 45.4% إلى 45.9%.
لكن تفصيل الأرقام يكشف أن هذا التحسن لا يشمل جميع الفئات بالدرجة نفسها.
بطالة الشباب تتراجع.. لكنها تبقى عند مستوى صادم
تراجعت بطالة الشباب في تونس من 38.4% إلى 37.5% خلال ثلاثة أشهر.
ورغم هذا التراجع، فإن أكثر من ثلث الشباب النشيطين اقتصادياً ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة لا يزالون دون عمل.
وبالمقارنة مع المعدل العالمي البالغ 12.4%، تبدو الفجوة هائلة، بما يعكس عمق أزمة انتقال الشباب التونسي من التعليم إلى سوق الشغل.
وهذه المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الوظائف المتاحة، وإنما أيضاً بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف تتناسب مع مهارات وتكوين الشباب.
المفارقة الأكبر.. الشهادة العليا والبطالة
إذا كان تراجع البطالة العامة وبطالة الشباب يحملان جانباً إيجابياً، فإن مؤشرات حاملي الشهائد العليا تقدم صورة مغايرة تماماً.
فقد ارتفعت البطالة لدى هذه الفئة من 22.5% إلى 24.2% خلال الثلاثي الأول من 2026.
والأكثر لفتاً للانتباه هو التفاوت بين الجنسين، إذ بلغت بطالة حاملي الشهائد العليا 32% لدى النساء مقابل 14.2% لدى الرجال.
وهكذا، فإن الحصول على شهادة جامعية لا يبدو كافياً لضمان الاندماج في سوق العمل، فيما تواجه النساء المتخرجات من الجامعات صعوبات أكبر بكثير في العثور على وظيفة.
الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة جديدة
وتأتي هذه الأزمة التونسية في وقت تحذر فيه منظمة العمل الدولية من تحول عميق تشهده أسواق العمل العالمية بفعل التطور التكنولوجي، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي.
وتشير المنظمة إلى أن الوظائف التي كانت تمثل تقليدياً بوابة دخول الشباب إلى سوق العمل بدأت تتراجع، خصوصاً الوظائف المكتبية والإدارية، وبعض مهن الخدمات والمبيعات، والوظائف المرتبطة بالصناعة التحويلية، إلى جانب عدد من المهن التقنية.
وقالت مديرة إدارة التوظيف والمهارات والمؤسسات المستدامة في منظمة العمل الدولية، سوكتي داسغوبتا، إن 6.1% من الوظائف التي يشغلها حالياً شباب بين 15 و29 سنة تندرج ضمن مهن شديدة التأثر بالتغيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وحذرت من أنه إذا اختفت 10% فقط من هذه الوظائف المعرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، فقد يواجه نحو 5.6 ملايين شاب خطر البطالة أو تغيير مهنتهم أو الخروج من سوق العمل، ولا سيما في البلدان ذات الدخل المرتفع.
تونس أمام تحديين في وقت واحد
بالنسبة إلى تونس، لا يأتي الذكاء الاصطناعي إلى سوق عمل مستقرة ومنخفضة البطالة، بل إلى سوق تعاني أصلاً من اختلالات هيكلية.
فبطالة الشباب عند 37.5%، وبطالة حاملي الشهائد العليا عند 24.2%، وبطالة النساء من حاملي الشهائد العليا عند 32%، كلها أرقام تعكس صعوبة إدماج فئات واسعة من الشباب في الاقتصاد.
ويضاف إلى ذلك أن أكثر من نصف المشتغلين في تونس يعملون في قطاع الخدمات، بنسبة 52.9%، مقابل 19% في الصناعات المعملية، و12.3% في الصناعات غير المعملية، و15.7% في الفلاحة والصيد البحري.
وهذا يجعل التحولات التي ستفرضها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على الخدمات والوظائف المكتبية والإدارية مسألة تستحق اهتماماً خاصاً في تونس.
المرأة الجامعية.. الحلقة الأضعف
تكشف الأرقام التونسية عن مفارقة أخرى: فبينما تبلغ البطالة العامة لدى النساء 20.7% مقابل 12.3% لدى الرجال، ترتفع النسبة لدى النساء حاملي الشهائد العليا إلى 32%.
وبذلك تواجه المرأة المتعلمة في تونس معادلة صعبة: سنوات من الدراسة والتكوين لا تضمن بالضرورة الوصول إلى سوق العمل، بل إن الفجوة بينها وبين الرجل تبقى واسعة حتى بين أصحاب الشهادات الجامعية.
من أزمة تشغيل إلى أزمة مهارات؟
المؤشرات الدولية والتونسية تلتقي عند نقطة واحدة: سوق العمل يتغير بسرعة، بينما لا تتغير مهارات الباحثين عن العمل بالسرعة نفسها.
وفي تونس، يبدو التحدي أكثر إلحاحاً. فقبل أن يصل تأثير الذكاء الاصطناعي إلى مستويات واسعة، ما تزال البلاد عاجزة عن استيعاب نسبة كبيرة من الشباب وحاملي الشهائد العليا.
لذلك، فإن الرهان لم يعد يقتصر على خفض معدل البطالة من 15%، وإنما يتجاوز ذلك إلى إعادة النظر في العلاقة بين التعليم والتكوين وسوق العمل، وتطوير مهارات الشباب، وخلق وظائف ذات قيمة مضافة، وضمان مشاركة أكبر للنساء في الحياة الاقتصادية.
فإذا كان العالم يستعد لموجة جديدة من التحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي، فإن تونس تواجه السؤال الأصعب: كيف يمكن إدماج شباب يعاني أصلاً من بطالة تفوق ثلاثة أضعاف المعدل العالمي، قبل أن تبدأ التكنولوجيا في تغيير قواعد سوق العمل التي لم يتمكنوا بعد من دخولها؟



